لفترة من الزمن، توقَّع كثيرون أن التقنية المتقدِّمة بما فيها من حواسيب ونشر إلكتروني وبريد إلكتروني ستؤدي إلى الاستغناء عن استخدام الورق في المكاتب، مع ما ينتج من هذا الاستغناء من حماية للبيئة وموارد الأرض وغاباتها. غير أن العالم لا يزال ينتج نحو 400 مليون طن من الورق سنوياً. وتقدَّر المصادر المتخصِّصة في هذه الصناعة أن الورق المستهلك في المدارس والمكاتب، كورق الناسخات والحواسيب والمفكرات، يمثل الفئة الكبرى من الأوراق المستهلكة في العالم. الأمر الذي يدعو إلى القلق.

يستعرض هذا التقرير صناعة الورق واستهلاكه، لا سيما في الدول الصناعية، ليس فقط لتوافر الأرقام والإحصاءات لدى وكالاتها ومؤسساتها المختصة، بل أيضاً لأنها الدول الأكثر استخداماً للتقنية المتقدِّمة التي كان يفترض فيها أن تخفّض من استهلاك الورق.

الورق سلعة مهمَّة في حياتنا اليومية، في أغراض عديدة تكاد تستعصي على الإحصاء. وقد بلغ إنتاج الورق والكرتون (الورق المقوّى) في العالم عام 2014م نحو 407 ملايين طن. واستخدم نصف هذا الإنتاج في ورق الأكياس والتغليف، فيما استخدم نحو الثلث في ورق الكتابة والطباعة. أما البلدان الثلاثة الكبرى في إنتاج الورق، فهي الصين والولايات المتحدة واليابان، فهذه البلدان الثلاثة تنتج نصف إجمالي الإنتاج العالمي. أما البلدان التي تستورد وتصدّر الورق، فتتقدَّمها ألمانيا والولايات المتحدة.

وثمة شركتان تحلان في المرتبتين الأولى والثانية في إنتاج الورق في العالم، وهما: "إنترناشونال بيبر"، و"كمبرلي- كلارك"، وكلاهما من الولايات المتحدة. وقد ربحت صناعة الورق الأمريكية نحو 96,1 مليار دولار أمريكي عام 2015م. وفي عام 2016م، ربحت "إنترناشونال بيبر" وحدها أكثر من 21 مليار دولار، فيما ربحت "كمبرلي- كلارك" نحو 18,2 مليار. ومن الشركات الكبرى الأخرى في هذه الصناعة شركة مقرّها إندونيسيا، هي "آسيا بَلب أند بيبر"، والشركة السويدية "سفنسكا سللولوزا"، والشركة الفنلندية "ستورا إنسو أند أو بي إم كيميني"، والشركة اليابانية "مجموعة نيبون بيبر".

بلغت أرباح 21 مليار دولار

بينما بلغت أرباح 18,2مليار دولار

ومع بلوغ الاستهلاك عام 2014م نحو 407,5 مليون طن من الورق، يكون الاستهلاك قد تساوى مع مجموع إنتاج ذلك العام تقريباً.

الصين هي المستهلك الأول في العالم، من الورق والكرتون، إذ إنها تستهلك أكثر من 103 ملايين طن في السنة، تليها الولايات المتحدة، التي يزيد استهلاكها على 71 مليون طن. أما أمريكا الشمالية إجمالاً، فهي المنطقة التي تتقدَّم على العالم، في استهلاك الفرد للورق، إذ يبلغ 221 كيلوغراماً للفرد، فيما يبلغ معدل استهلاك الفرد السنوي في العالم 57 كيلوغراماً فقط.

والورق من المصادر القابلة لما يسمّى الاسترداد، أي عدم إلقائه في النفايات من أجل إعادة استعماله بواسطة التدوير، بل إنه من المواد التي تتميَّز بنسبة عالية جداً من قابلية الاسترداد. ففي عام 2013م، تمكَّنت مختلف بلدان العالم من استرداد وجمع نحو 233 مليون طن. وفي الولايات المتحدة وحدها، استُرِدت أكثر من 47 مليون طن من الورق والكرتون، ومثل هذا المقدار يُسترَد كل عام في الولايات المتحدة. وقد بلغت نسبة الورق الأمريكي المسترد عام 2015م، %66,8، أي أكثر من ضعف نسبة الاسترداد في عام 1990م، التي بلغت أقل من %34.

الاستهلاك في الولايات المتحدة مثلاً

تُعدُّ الولايات المتحدة وكندا أكبر منتجي الورق وتنويعاته في العالم. ولعل دراسة واقع استهلاك الورق هي الخطوة الأولى في دفع الأمور نحو إنشاء بيئة أعمال تستغني عن استهلاك الورق.

700 رطل

لا يزال الأمريكيون، رغم تعميم الوسائل الإلكترونية في الأعمال لديهم، أكبر مستهلكي الورق بعد الصينيين، من أي شعب آخر. ففي المعدل يستهلك الفرد الأمريكي في السنة أكثر من 700 رطل (317 كيلوغراماً) من الورق.

208 ملايين طن

في السنوات العشرين الماضية، زاد استعمال منتَجات الورق من 92 مليون طن، إلى 208 ملايين طن، أي إن نسبة الزيادة بلغت %126.


299.044 مليون طن

في العام 1997م بلغ مجموع إنتاج الورق في العالم 299.044 مليون طن، أي ما يوازي وزن 200.000 سيارة فولكسفاغن (طراز Beetle).

26 مليون طن

الورق في الولايات المتحدة يشكِّل أكبر أصناف النفايات في المطامر، أي 26 مليون طن، توازي %16 من مجموع النفايات في المطامر، عام 2009م.

30 ضعفاً

استهلك الفرد الأمريكي من الورق في نهاية العقد الماضي 6 أضعاف ما استهلكه الفرد الآسيوي، وأكثر من 30 ضعفاً مما استهلكه الفرد الإفريقي.

68 مليون شجرة

تقطع الولايات المتحدة كل عام نحو 68 مليون شجرة لتصنيع الورق ومنتجاته.

%30 من الورق في العالم

سكان الولايات المتحدة أقل من %5 من سكان الكرة الأرضية، ومع هذا فهم يستهلكون أكثر من %30 من الورق في العالم.

الورق في المكاتب

يمكن أن يؤدي الاقتصاد في استهلاك الورق في المكاتب، إلى زيادة الجدوى والإنتاجية في المؤسسات والشركات. ويمكن لنمط خفض استهلاك الورق أن يتضمَّن، بين إجراءات أخرى، تدوير الورق، وتقليل الطباعة أو الاستغناء عنها عند الإمكان. وبذلك يمكن توفير ثمن الورق.

10,000 ورقة

يستهلك الآن الموظف في المكاتب، ما معدَّله 10.000 ورقة لنسخ النصوص كل عام.

%45 من الورق

%45 من الورق المطبوع في المكاتب ينتهي إلى القمامة في آخر النهار، أي ما يزيد على تريليون ورقة في العالم كل سنة.

تُنسَخ النصوص والأوراق

بين 9 و11 مرة

تُنسَخ النصوص والأوراق في المعدل بين 9 و11 مرة، وتحتاج كل 12 خزانة من أوراق المكاتب، إلى موظف إضافي في إدارتها.

1,500 دولار في السنة

كل خزانة أوراق تضم 4 أدراج وتحتوي على ما بين 10 و12 ألف ورقة، تحتل نحو 9 أقدام مربعة من مساحة المكتب، وتكلف 1.500 دولار في السنة.

350 و700 دولار

كل ورقة حصل خطأ في موقع حفظها تكلِّف 125 دولاراً. وكل وثيقة ضائعة تكلِّف بين 350 و700 دولار. والمؤسسات الكبرى تضيّع وثيقة كل 12 ثانية.

%70 شركات أيامنا هذه

أكثر من %70 من شركات أيامنا هذه، قد تقع في خسارة كبيرة، إذا أتلفت ملفاتها الورقية بسبب حريق أو فيضان.

%22 نمو استهلاك الورق

إذا بقي استهلاك الورق ينمو كما ينمو الآن بنسبة %22 كل سنة ، فستتضاعف الموجودات الورقية كل 3,3 سنوات.

استهلاك الورق وآثاره البيئية

لا شك في أنَّ تدوير الورق ضروري، لأنه يقلِّل إتلاف الورق في مطامر النفايات. لكنه لا يحمي البيئة بالضرورة. فالورق لا يمكن تدويره بلا حدود. وأقصى ما يمكن هو تدوير الورق بين سبع وعشر مرَّات. وبعدئذٍ تأخذ أليافه في التحلّل. وثمة حاجة عند التدوير، إلى إضافة عجينة الخشب من جديد. ولا شك في أنَّ إدراك العواقب الوخيمة المترتبة على استهلاك الورق، يمكن أن يساعد العالم على تقليل هذا الاستهلاك ما أمكن.

فمن الآثار البيئيَّة السيئة المترتبة على استهلاك الورق في العالم، تُذكَر الأمور التالية:

01.
إنتاج العجينة والورق في العالم، هو خامس أكبر مستهلك للطاقة، إذ يحتاج إلى ما نسبته %4 من مجموع استهلاك الطاقة في العالم.


02.
أكثر من %60 من نحو 17 مليار قدم مكعبة من الخشب المستهلك كل عام، تستعمل لصنع العجينة والورق.


03.
تحتاج صناعة الورق إلى الماء أكثر من معظم الصناعات الأخرى.


04.
يشكِّل الورق مكوّناً رئيساً من النفايات في كثير من المطامر في العالم، وتبلغ نسبته %35 من القمامة.


05.
صناعة العجينة والورق هي ثالث أكبر ملوِّث للهواء والماء والتراب في كل من كندا والولايات المتحدة، حيث ينتج عنها أكثر من 100 مليون كيلوغرام من الملوثات السامة كل عام.


06.
%40 من الأشجار المقطوعة في العالم لأغراض صناعية، تستعمل لصناعة الورق، ويتوقَّع أن تبلغ النسبة في القريب العاجل %50.


07.
ازداد استهلاك العالم من الورق %400 في آخر 40 عاماً.

08.
تخسر الأرض من الغابات نحو 18 مليون آكر (الآكر 4,000 متر مربع) كل عام، أي ما يعادل مساحة 20 ملعب كرة قدم كل دقيقة.

09.
يسهم تقلص مساحة الغابات في العالم بما يتراوح بين 12 و%17 من انبعاث غازات الدفيئة في الكرة الأرضية.


10.
إذا استمرت وتيرة قطع أشجار الغابات على حالها، فلن تمر 100 سنة قبل أن تختفي الغابات المطيرة تماماً من الكوكب.

إن الأثر البيئي لصناعة الورق واستهلاكه هو أثر مدمِّر. ونظراً إلى أن السنوات الماضية شهدت نهماً لا حدود له في هذا المجال، فثمة حاجة ماسة إلى جهود جبَّارة لضمان حماية البيئة. الماضي مضى، لكن لا يزال ثمة وقت متاح لتغيير ما ينتظرنا إذا استمرت المسيرة على ما هي. فباستخدام التقنية الحديثة التي يمكن أن تغنينا عن الورق، يمكننا حفظ الغابات ومنع تلويث البيئة والهواء والمياه والتربة مثلما نفعل اليوم.

صناعة الورق

كيف تتحوَّل الشجرة الباسقة المنتصبة في الغابة، لتصبح ذلك النسيج الناعم الرقيق الذي نكتب عليه، أو ذلك الكرتون السميك الذي نشحن فيه السلع، من تلفزيون أو ثلاجة، أو ببساطة ذلك الكيس الرقيق الذي نغطّسه في الماء الساخن لنشرب كوب شاي؟

الخشب هو المادة الأولية الأساسية لصنع الورق. وتستخدم صناعة الورق أصنافاً عديدة من الخشب لصنع الورق والكرتون. وغالباً ما تمزج لب هذه الأصناف معاً لصنع عجينة ورق ذات خصائص معيَّنة. وفي أيامنا هذه، صار الورق المسترَدّ، بعد الاستخدام، مصدراً أساسياً لإعادة صناعته ورقاً بعد تدويره، إذ صار الورق المستعاد يشكِّل نصف المادة الأولية لصناعة الورق في العالم. لكن عدم القدرة على إعادة التدوير باستمرار، يجعل العالم بحاجة دائمة إلى خشب الشجر من أجل صناعة الورق.

تمر صناعة الورق بثلاث محطّات تصنيع على النحو التالي:


01. عجينة الخشب

يتكوَّن الورق من ألياف السيلولوز الموجود في خشب الشجر. وسواء أكانت صناعة الورق ستستخدم مادة أولية من الخشب، أو من الورق المسترَدّ بعد استعماله، فإنَّ الخطوة الأولى هي تحويل المادة الأولية هذه إلى عجينة، وهذا يؤدِّي إلى تفسيخ ألياف المادة الأولية بعضها عن بعض. بعدئذ تُغسَل الألياف وتصفَّى من أي شوائب صلبة، ثم تجفَّف.

في هذه المرحلة يمكن استعمال العجينة لصنع الورق كما هي، أو تُبيَّض لصنع الورق الأبيض. وتوضَع العجينة في آلة، حيث تُضغَط وتُرَقَّق حتى تصبح رقائق تُجمَع رزماً جاهزة لصنع الورق.

وتصنّف عجينة الخشب وفق أسلوب إنتاجها (الكيميائي أو الميكانيكي)؛ وأصناف الخشب المستعمَل (الخشب الطري أو القاسي)؛ ومستوى التصنيع (تبييض أو لا تبييض). ويصنَّف بمثل ذلك الورق المسترَد.

لقد توصَّل نظام استرداد الورق المستعمل في أوروبا، إلى توفير نصف المادة الأولية لصناعة الورق فيها. وثمة %26 أخرى من المادة الأولية، توفِّرها بقايا الخشب الناتج من الصناعات الأخرى، مثل المناشر وصناعة المفروشات ومواد البناء. ويأتي نحو %50 من الخشب الجديد الوارد على صناعة الورق الأوروبية، من الشجر الذي يُقطَع عمداً حفاظاً على صحة الغابات.

02. صنع العجينة من الورق المسترَدّ

عند تدوير الورق المسترَد بعد الاستعمال، تكون المادة الأولية من مصادر متنوِّ عة. ولذلك، تكون خصائصها مختلفة. وأكثر مصادر صنع الورق المدوّر، ورق الصحف القديمة وعلب الكرتون. ولذلك عند جمع الورق أو الكرتون المستعمل لإعادة تصنيعه، لا بدَّ من فرزه في عدة فئات. ويعتمد أسلوب الفرز كثيراً على أسلوب جمع الورق أو الكرتون المسترَد. وفي معظم الحالات، تنقل رزم الورق المسترَد إلى الآلة العاجنة على حزام دوار.

وقبل إعادة تصنيع ورق الكتابة والطباعة المسترَد، لا بدَّ أولاً من إزالة الحبر عنه. وثمة وسيلتان لنزع الحبر: الغسل أو التعويم.
تبدأ وسيلة الغسل بوضع الورق في العاجنة، وهي صهريج ضخم تتحرَّر فيه ألياف الورق من البقايا العالقة فيها، بواسطة الاهتزاز، في وسط مقدار كبير من المياه. أما التخلص من البقايا غير المرغوب فيها فيحصل بأسلوب الطرد المركزي (centrifugal)، والمصافي التي تمرِّر جزيئات الحبر ولا تمرِّر ألياف الورق.

أما وسيلة التعويم، فتحوّل البقايا إلى طين، وتزيل الملوثات. وتستخدم في ذلك مواد كيميائية خاصة تنتج زبداً يطوف فوق وجه الماء. وعندئذٍ يُنفَخ الهواء في الطين، فيعلق الحبر بفقاعات الهواء وينفصل عن ألياف الورق.

وعند إتمام عملية التنظيف من الحبر، تُنقَل الألياف إلى مخزن، يموّن آلة صنع الرقائق من العجينة، وأما البقايا فتُحرَق وقوداً، أو تلقى مع النفايات.

مرحلة التصنيع النهائية

يكتسب الورق والكرتون مظهره وخصائصه وتتحسّن مواصفاته، بواسطة المرحلة الأخيرة من تصنيعه، فقد تكون المراحل الأخيرة من التصنيع بسيطة، أو قد تكون معقَّدة من تلبيس الورق وصقله وتمليسه.

فالتلبيس يزيد الورق نعومة ولمعاناً وقدرةً على امتصاص الألوان. ويعني التلبيس تكسية الورق بطبقة من الخضاب المختلط. وللتلبيس درجات وأصناف، تراوح من الورق المخضّب (pigmented)، إلى الورق المكسو (cast-coated). ويحتوي التلبيس على مواد كيميائية متعدِّدة، لإكساب الورق خصائص كثيرة متنوّعة ومتعدِّدة.

ولصنع ورق أنعم ملمساً، لا بدَّ من الصقل المعزّز (super-calendering)، ويستخدَم هذا الورق الصقيل، في بعض الصحف، وأوراق الطباعة الخاصة. ولهذا الغرض، تُمرَّر لفائف الورق على أسطوانات، تتناوب فيها صفتا الخشونة والنعومة. ومع فعل الحرارة والضغط والاحتكاك، يكتسب الورق ملمساً أنعم. وخلال هذه العملية يجري ضغط الورق، فيصبح أرق مما كان قبل صقله.

المراجع

http://www.paperrecycles.org/statistics/paper-recovery-landfill

http://www.paperrecycles.org/statistics/recovery-of-old-newspapers-mechanical-papers

https://www.statista.com/topics/1701/paper-industry/

www.forestethics.org/paper-the-facts

www.environmentalpaper.org

https://www.statista.com/topics/1701/paper-industry/

www.wri.org

http://www.paperrecycles.org/statistics/recovery-of-printing-writing-papers

http://www.paperonline.org/paper-making/paper-production

http://www.paperrecycles.org/statistics/paper-paperboard-recovery

http://www.paperonline.org/history-of-paper/timeline

http://www.paperonline.org/history-of-paper

 

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية