في عددها لشهر صفر من عام 1393هـ (أبريل 1973م)، نشرت “قافلة الزيت” استطلاعاً مصوّراً حول العاصمة العراقية بعنوان “بغداد مدينة السلام”، كتبه الدكتور عيسى سلمان، وتناول فيه التاريخ العريق لهذه المدينة وأبرز آثارها القديمة. وفي ما يأتي مقتطفات مما جاء فيه.

تتبوأ بغداد مكانة سامية في التاريخ الحضاري باعتبارها وارثة الحضارات المتعاقبة التي نمت وازدهرت في وادي الرافدين، المهد الأول لأولى الحضارات البشرية الناضجة. وقامت في منطقة بغداد، وقبل أدوارها العباسية، مراكز حضارية مهمة تتمثل بقاياها اليوم في تلك المستوطنات الشاخصة التي تدل على ماضيها ومراحل تطورها، ومنها موقع تل حرمل "مدينة شادويوم" في منطقة بغداد الجديدة، حيث قامت فيها أول جامعة علمية في العالم. وعنيت هذه الجامعة بالدراسات العلمية وخاصة علوم الرياضيات كالهندسة والجبر. ويرجع تاريخ هذا المستوطن إلى العهد البابلي القديم (1850 – 1500م)، وكذلك موقع "تل الضباعي" الكائن قبال "تل حرمل" في الجانب الشرقي من قناة الجيش، ومدينة عقرقوف "دوركووريكالزو". ولقد هدانا البحث الآثاري إلى بقايا أبنية تعود إلى العهد البابلي الحديث (612 – 538م)، وشيدت في زمن الملك نبوخذ نصّر (640 – 562م). وهناك مدينتا سلوقية، والمدائن.

 

وبعد الفتح العربي، اتخذ العرب المسلمون من مدينة المدائن ولفترة قصيرة مركزاً عسكرياً وإدارياً للجيوش العربية التي حملت معها مبادئ الحرية ومفاهيم العدالة الاجتماعية لينقذوا البشرية من غياهب الظلام وأغلال العبودية. ولكن العرب سرعان ما هجروا المدائن حين اختطوا حاضرة عربية في الكوفة. ومع ذلك فقد بقيت مناطق عديدة من بغداد آهلة بسكانها العرب. وقد كان للإسلام أثر كبير في إقامة عديد من القرى، خاصة وأن جميع المتطلبات الأساسية لنشوء المستوطنات والحواضر كانت موفورة فيها، مثل خصوبة التربة واعتدال المناخ وتوفر مصادر المياه. هذا، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، سواء من الناحية العسكرية أو التجارية، إذ كانت ملتقى لطرق المواصلات التجارية ومحطة رئيسة تربط بين الشرق والغرب عن طريق الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط. وظلّت على هذه الأهمية إلى ما قبل إنشاء قناة السويس واكتشاف رأس الرجاء الصالح.

 

التسمية

اختلف المؤرِّخون والبلدانيون في أصل تسمية بغداد وذهبوا مذاهب شتى، فمنهم من اعتقد بأنها مشتقة من اللفظ الكلداني "بلداد". وهناك بعض الباحثين يرون أن اسم بغداد مشتق من الكلمة الآرامية "بكداد".. ومن الآراء الأخرى ما يشير إلى أنها كلمة آرية وقد استعملها الكاشيون في بادئ الأمر عندما كانوا في بابل في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. وقد هدتنا التنقيبات الأثرية إلى الكشف عن أصل تسمية بغداد، وذلك من بعض الكتابات المسمارية التي تعود إلى العهد البابلي القديم في الألف الثاني قبل الميلاد. فقد ذكرت كلمة بغداد بهيئة "بغدادو" و"بغدادي" و"بكدادو" وتُقرأ "خدادو"، وتشير إلى مدينة كانت قرب بغداد الحالية.

الباب الوسطاني لمدينة السلام (بغداد) وقد ازدانت واجهته العليا بالزخارف والنقوش

 

بغداد عاصمة الخلافة العباسية

عندما آلت الخلافة الإسلامية إلى بني العباس في عام 132ه (750م)، انتقل مركز الحكم إلى العراق إثر سقوط الدولة الأموية في الشام. وقد اتخذت الدولة العباسية، قبل تشييد المنصور لمدينته المدورة، ثلاث مدن مراكز للحكم العباسي وهي الكوفة، والأنبار التي شيَّدها عبدالله بن محمد "السفاح" وسميت "هاشمية الأنبار" ثم "هاشمية الكوفة" التي اتخذها المنصور مركزاً لحكمه، وهي قريبة من الكوفة، فاستقر بها زمناً ثم هجرها لظروف سياسية حملته بالتالي على الابتعاد عن منطقة الكوفة كلها بسبب كثرة الفتن واضطرابات وشغب الكوفيين خاصة. وصمم على اختيار موضع جديد لعاصمته. وبعد استعراض أماكن عديدة انتهى المنصور إلى اختيار موقع بغداد ليشيد فيه مدينته، فكتب إلى عماله في الأقاليم لينفذوا إليه المهندسين والبنائين وأصحاب المهن والصناعات إلى أن اجتمع منهم حوالي المئة ألف عامل. ووضع التصاميم الأساسية للبناء. وكان اليوم الذي شرع فيه المنصور تشييد مدينته مشهوداً ووضع أول لبنة بيده، ومن ثم شرعوا في البناء، وكان ذلك سنة 145هـ، في موضع كان يعرف قديماً باسم المزرعة المباركة.

منظر عام لباحة المدرسة المستنصرية التي تُعدُّ من مفاخر العراق العلمية

الواجهة الخارجية لمبنى المدرسة المستنصرية في بغداد والمطلَّة على نهر دجلة وقد ظهرت في وسطها بعض الكتابات المنقوشة

 

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية