تصاميم عمارة المحطات النووية تعكس تغير موقفنا منها

نشر في: آخر تحديث:

بسبب الخطورة التي تطبع محتواها ووظيفتها، يعتقد المرء أن عمارة المحطات النووية تتحدَّد أولاً وأخيراً وفق معطيات تقنية وتشريعات خاصة بهذه الصناعة. ولكن جولة على تبدّل الطرز المعمارية للمحطات النووية خلال العقود الأخيرة، تؤكد أن عوامل عديدة كانت تحدِّد التحولات في تصاميمها بما يتلاءم مع التحولات في مواقف الرأي العام من هذه الصناعة.

طالما ارتبطت المحطات النووية، في الوعي الشعبي، بالغموض والخوف والكوارث الكبرى. وإذا كان أحدنا يذكر أياً من أسماء محطات الطاقة هذه يكون ذلك في إطار ذكرى سيئة. فمن منا لا يتذكر حادثة تشرنوبيل في أوكرانيا في 1986م، التي تُعد أكبر الكوارث النووية من هذا النوع في العالم، وحادثة مفاعل فوكوشيما في اليابان في 2011م، وحادثة ثري ميل أيلاند في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية في 1979م. وقد دخل الخوف من الحوادث النووية في الثقافة العامة، إذ سجل عديد من الأفلام هذه النظرة للمحطات النووية، بدءاً بفِلم «The China Syndrome» حول طاقم من الصحافيين استطاع تصوير كارثة نووية وقت حدوثها، وغيره من الأفلام، وصولاً إلى مسلسلات الكرتون منها.

وبالتالي لم يكن من المستغرب أن يكون الاتجاه نحو بناء محطات الطاقة البعيدة تماماً عن الزخرفة وكل ما يلفت النظر إليها والحرص على إخفائها بأكبر قدر من الإمكان. وهكذا كان الحال لا سيما بعد حادثة تشرنوبيل وحتى وقت قريب. أمَّا ما قبل ذلك فكان بناء محطات الطاقة النووية موضع فخر للدول والشاهد على تقدمها وقوتها. ففي عام 1954م، قبل ثلاثة عقود من حادثة تشرنوبيل، قام السوفيات بإنشاء أول محطة طاقة نووية في أوبنينسك على بُعد 100 كيلومتر من موسكو، إذ كان السوفيات يعتقدون بأن الطاقة النووية ستحول الاتحاد السوفياتي إلى أكبر قوة في العالم. وكانت محطة أوبنينسك إنجازاً ضخماً حتى لو كانت كمية الطاقة الكهربائية المطلوبة لتشغيلها أكثر من الطاقة التي كانت تنتجها. ومع ذلك صُمِّم لها بناءٌ ضخم جداً، ولكي يُظهر السوفيات تطورهم قاموا ببناء جناح خاص بالطاقة النووية في أحد المعارض في موسكو. وقد جرى افتتاح هذا الجناح في السنة نفسها لإنشاء محطة أوبنينسك. وهو عبارة عن بناء من الغرانيت يُشبه كعكة الزفاف البيضاء المثلجة يعكس بشكل رائع حداثة التكنولوجيا التي تكمن في داخله. كما أنّ لدى شركة «EDF SA» للطاقة، وهي الشركة الفرنسية الكبرى المملوكة من الدولة، تاريخ طويل في الهندسة المعمارية النووية. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم يقم الفرنسيون بالاستثمارات الكبيرة في البرامج النووية فقط، وإنما لجأوا إلى أهم المهندسين الرائدين لتصميم مبانيها. وكان أهم هؤلاء المهندسين المعماريين كلود بارون صاحب الأفكار الراديكالية حيث اختبر في تصاميمه للمحطات النووية منذ ستينيات القرن العشرين مبادىء «العمارة المائلة». وصمم الطوابق والسلالم المائلة لإضفاء الحركة والدينامية على المباني.

وفي بريطانيا موطن أول برنامج للطاقة النووية المدنية في العالم، تم تكليف المهندس المعماري بيزل سبينس لتصميم واحدة من المحطات النووية الأولى التي بدأت عملها في 1959م في مقاطعة وايلز. ويُعد سبينس، أبرز المهندسين المعماريين في بريطانيا على الإطلاق. وعندما شعر سبينس برفض السكان المحليين لإقامة المحطة، حاول ومن خلال تصميمه، تبديد مخاوف السكان المحليين وإعطاء المبنى نوعاً من الحضور والأناقة.

مبـانٍ تحافظ على السرية والغموض

ولكن مع قدوم فترة السبعينيات من القرن الماضي ومع ازدياد الجدل حول الصناعة النووية وازدهار النشاطات المنادية بالحفاظ على البيئة، ازدادت رغبة المصممين في المحافظة على السرية والغموض. ولم تعد المحطات النووية، من حيث تصميمها الخارجي، أكثر من مربعات كبيرة من الأسمنت مغطاة بصفائح معدنية مموجة أصبحت فيما بعد اللغة الافتراضية للصناعات المموهة. كما صارت تشبه المنشآت الصناعية القاتمة التي لا تعبِّر عن قيمة التكنولوجيا المثيرة في داخلها، ناهيك عن العنصر البشري من القوة العاملة الماهرة.

هندسة لمحطات نووية مندمجة بالبيئة

بالوصول إلى التسعينيات، ترسخ الإدراك بأن المحطات النووية هي هنا لتبقى، وبأن هناك العشرات منها قيد الإنشاء في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي. وكما يبدو فإن انتشارها يأتي من مفارقة غريبة بأن هذه المحطات التي كانت تُعد نذيراً للكوارث الكبرى أخذت تُعتمد الآن باعتبارها أفضل وسيلة للحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وهذا ما أدى إلى تغيير القيود الموضوعة على تصميم المحطات النووية. ويقول جون ريتش، رئيس الرابطة النووية العالمية، إن الصناعة النووية «ستبقى تواجه قدراً من القلق العام لأنها تنضوي على قوى غامضة شديدة الفعالية وغير مرئية. ولكن ما يمكن للصناعة أن تسيطر عليه بالتأكيد هو ما يراه الجمهور من الخارج. ومن خلال التعبير عن حداثة ودقة الصناعة النووية اليوم، يمكن للفن المعماري، من دون تغيير بالتكاليف أو بتغيير ضئيل فيها، أن يساعد على تقدير الجمهور لنوع من التكنولوجيا، لا تتميز بكونها مثيرة للإعجاب فقط، وإنما بكونها ضرورة لمستقبل العالم».

ومن أهم الأمور التي يجب أن تتميز بها التصاميم الحديثة، احتواؤها على خصائص مندمجة بالبيئة المحيطة بها. عندما سُئل إيان براينتن، رئيس قسم التخطيط في «EDF Energy»، عن المدى الذي كان يُسمح فيه للمهندسين المعماريين بالتحرك في تصميم محطات الطاقة النووية الجديدة مع وجود الكم الهائل من القوانين والتشريعات التي تخضع لها، أجاب بأنه «كان يمكنهم التأكيد على أنها ستتلاءم مع البيئة المحيطة بها، حيث يمكن للألوان أن تلعب دوراً».

تقع معظم محطات الطاقة النووية في مناطق ساحلية نائية، ليس فقط من أجل ضمان الحد الأدنى من الضرر على السكان في المناطق المجاورة في حال حدوث أي تسرب نووي، وإنما أيضاً لأن المحطات بحاجة للوصول إلى مياه البحر التي تُشكّل المبرّد الرئيس في التصاميم الحديثة. على هذا النحو تقع معظم محطات الطاقة البريطانية في المحميات الطبيعية أو الحدائق العامة، وهذه آخر المواقع التي نتوقع أن نرى فيها مثل هذه الصناعات. لذلك، من الصعب التفكير في المباني التي يمكن أن تشغل مثل هذه المواقع دون مواصفات جمالية معيَّنة.

وفي جولة على أحدث محطة للطاقة النووية في بريطانيا، محطة Sizewell B التي تم إنجازها في 1995م والتي تشبه المربع الكهربائي الأزرق المموج والمحاطة بأسوار حمراء تعلوها قبة بيضاء رائعة، نرى بوضوح التغير في تصميم المحطات الحديثة. فمن الخارج هي تشبه مبنى برلمان فخم أو قصراً للمؤتمرات على الطراز الحديث لولا إشارات التحذير والأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة ودوريات الشرطة حولها. وأكثر ما يبرز حداثة تصميمها هو من خلال مقارنتها مع سابقتها «Sizewell A»، المحطة التي أصبحت خارج الخدمة، والتي هي تشبه مبنى قاتماً من ستينيات القرن الماضي يشبه الخرسانة الإسمنتية والمجمعات الصناعية من القرن التاسع عشر.

وفي فرنسا، تزدهر روح الابتكار في التصاميم النووية أكثر من أي مكان آخر. ومن أكثر المشاريع النووية إثارة هناك، مشروع «Iter» (المفاعل الحراري النووي العالمي) وهو حرم علمي في مقاطعة بروفانس، حيث يدور النشاط النووي الفعلي. و«Iter» مشروع عالمي على غرار «Cern»، المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، ويضم أكبر مفاعل نووي في العالم. من حيث التصميم الهندسي يبدو المفاعل وكأنه مستوحى من أفلام الخيال العلمي ويشبه نبتة الفطر العملاقة المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ.

لا بد من الإشارة إلى أن هناك مسابقات تُجرى حول العالم لأفضل التصاميم النووية مثل المسابقة التي قامت بها وكالة الطاقة الروسية «Rosatom» في 2014 لأفضل تصميم لجناح نووي بعد الجناح الذي تم تصميمه في 1954م. وتقول إيرينا كيريفا من الوكالة إن السبب وراء هذه المسابقة هو أنّ «هذا البلد (أي روسيا) بحاجة إلى ما يمكن أن يفخر به، ولروسيا إنجازات فعلية في هذا المجال». وتعتقد كيريفا بأن هذه المسابقة تقدم للمهندسين المعماريين الفرصة للاحتفاء بهذه التكنولوجيا الخارقة. «على الجناح النووي أن يتحدث عن نفسه» كما تقول «ويجب أن يكون فذاً ويمتلك القدرة على التواصل».

استخداماتها بعد نفاد صلاحيتها

حتى لو وصل الجيل القادم من العمارة النووية إلى مستويات جمالية جديدة واستطاعت توفير طاقة نظيفة وآمنة للجميع، لن يكون ذلك، بأي شكل من الأشكال، نهاية القصة. إذ إنه لفترة طويلة بعد نفاد عمرها الإنتاجي وانتهاء صلاحيتها ستبقى محطات الطاقة النووية قائمة. وقد استطاع المصمم بيزل سبينس التنبؤ بهذا الموضوع منذ ستينيات القرن الماضي عندما كان يصمم محطة «Trawsfynydd» في مقاطعة وايلز وطرح السؤال التالي: «هل يمكن لهذه المحطة أن تتحوَّل إلى معلم أثري جميل؟» لا تزال هناك حيرة بالنسبة لهذه المسألة، وسيبقى الأمر كذلك لفترة طويلة. وعندما أُغلقت هذه المحطة في عام 1991م برزت هناك عدة اقتراحات لإعادة استخدامها في مجالات أخرى. وفي تسعينيات القرن الماضى وجه أحد البرامج في الإذاعة البريطانية دعوة لتقديم اقتراحات من المهندسين والمصممين لاستخدامات أخرى للمحطة، وكان من بينها تحويلها لاستوديو لتصوير الأفلام أو مجرد تحويلها إلى ركام. ويجري العمل حالياً على تقصير أبنية المحطة المرتفعة إلى الثلث، وتغطيتها بالصخور المستخرجة محلياً لتحويلها إلى معلم جميل مصمم بطريقة فريدة من المتوقع أن ينتهي العمل فيه في 2018م. أما من حيث استخدامه من الداخل فلن يجري تفكيك المفاعلات النووية في الداخل قبل عام 2088م. وحتى ذلك الوقت سيبقى المبنى هكذا من دون أي استخدام عملي.

على المدى الطويل، تبدو الهندسة المعمارية للمحطات النووية وكأنها قضية عابرة. وستبقى هناك النفايات المشعة لآلاف السنوات في المستقبل أكثر مما سيبقى أي اسم شهير في عالم تصميم المحطات النووية إن كان بيزل سبينس أو كلود بارون أو غيره.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية