عاجل

البث المباشر

حول فضيلة التأني.. كيف نحلُّ مشكلاتنا في عصر التسرّع؟

المصدر: القافلة - زاهر الحاج حسين

عالم محموم ومتسارع.. عصر السرعة.. الوقت لا ينتظر.. عدم تفويت الفرصة.. عبارات ما فتئت تطرق أسماعنا كل يوم لتصيبنا بنوبات من الهلع والرعب، إلى درجة أننا أمسينا مصابين “بالخوف من فوات الأشياء"، أو ما يُدعى اختصاراً بـ “فومو" (FOMO, Fear of Missing Out). إنه ببساطة زمن تمجيد السرعة في كل شيء: الطعام السريع، تبدّل الموضة بسرعة، وصفات إنقاص الوزن السريعة التي ستمنحك الجسم المثالي خلال أسبوعين، الدورات التدريبية السريعة التي تحيلك إلى خبير متمرِّس، كتب تطوير الذات السريعة التي ستحل جميع المشكلات العاطفية والنفسية، وصولاً إلى العلاجات السريعة التي تزعم القدرة على معالجة الأمراض المزمنة! فكل هذه الأمور تدور في فلك اعتقاد وحيد: الحصول على أكبر نتيجة ممكنة بأقل جهد ممكن. وعلى الرغم من أن السرعة مطلوبة في حالات كثيرة، إلاَّ أنها غير مضمونة الجدوى في مواجهة المشكلات المعقَّدة، سواء أكنا نتحدَّث عن حياتنا الشخصية أو أعمالنا وعالمنا.

ظهرت في الآونة الأخيرة حركة ثقافية تعلي من شأن التأني، أطلق عليها اسم "حركة التأني" ويعرّفها المؤلف كارل أونوريه في كتابه الرائج "في مديح التأني" (In Praise of Slowness) على أنها "ثورة ثقافية لمواجهة التصوُّر القائل إن السرعة هي الأفضل دائماً. إن فلسفة التأني لا تعني القيام بالأشياء كما يتهادى الحلزون، بل تعني القيام بكل شيء وفق السرعة المناسبة. إنها تعني الاستمتاع بالساعات والدقائق بدلاً من الانشغال بعدِّها، وأن نقوم بكل شيء بأفضل طريقة ممكنة بدلاً من أسرع طريقة ممكنة. إنها تعني أن الجودة أهم من الكم في كل شيء سواء أكان ذلك في عملنا أو في طعامنا أو في تربيتنا لأبنائنا".

نظامان للتفكير

فمن وجهة نظر بيولوجية، لا بد من الإقرار بأن ميل الإنسان إلى الحلول السريعة أمر طبيعي. فبهجة الانتهاء من شيء، وتدفق الهرمونات المرافق (هرمونات الحصول على شيء جديد)، تنمحنا شعوراً إدمانياً بالإنتاجية والإنجاز حتى ولو كان هذا الشعور زائفاً. وهذا ما يفسر المتعة التي نشعر بها سواء عقب الانتهاء من مرحلة في لعبة ما، أو عندما ننتهي من تنفيذ مهمة ما في العمل. فهذه جميعها تعمل وفق الآلية نفسها. وهذه الآلية هي التي تفسر إدمان أي شيء وإن كان بدرجات متفاوتة: تم الانتهاء من هذه المهمة.. تم الشعور بمتعة هذا الإنجاز.. انتقل الآن إلى مهمة جديدة. هذا من وجهة نظر بيولوجية، أما من وجهة نظر ثقافية، فقد أصبحنا نتوقع أن يحدث كل شيء بسرعة البرمجيات وتطبيقات الجوال، أي بالضغط على زر.
يذكِّرنا هذا بما كتبه حول هذا الموضوع العالِم النفسي والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد دانيال كانمان في كتابه الشهير "التفكير بسرعة وببطء"، حيث تناول بشيء من التفصيل الممتع كيف يعمل دماغنا وفق نظامي تفكير مختلفين يعملان مع بعضهما وفق علاقة معقَّدة من الشد والجذب وبنسب متفاوتة عند كل فرد (نتيجة اختلافات جينية وبيئية وثقافية وتباين تجارب الحياة لكل فرد)، وهما:

-النظام الأول، وهو نظام التفكير السريع الذي يحدث عادة في اللاوعي ويتصف بالعاطفية والتلقائية والاندفاعية، ولا يحتاج منا إلى جهد كبير.

-النظام الثاني وهو نظام التفكير البطيء وهو نظام تحليلي يتعامل بلغة الأرقام والمنطق ويتطلب قدراً من الجهد والتدبر والوعي ومراعاة جميع الاحتمالات الممكنة.

لذا، يكمن التحدي الأكبر هنا في الوعي بنمط التفكير الذي يسيطر علينا عندما نتخذ قراراتنا. أي أن نعي بأننا في هذه اللحظة قد نكون في قبضة نمط التفكير السريع في حلِّنا لمشكلة تتطلَّب النظام الثاني في التفكير. ومن جانب آخر، من الخطأ التعامل مع التحديات العاطفية بمنطق تحليلي بحت مع إغفال التلقائيـة والعفويـة والحدسيـة التي يتمتـع بها النظام الأول.

سمات الحلول المتأنية في مواجهة المشكلات العويصة

ويتحدَّث كارل أونوريه في كتابه الآخر "الحل المتأني" عن هوسنا بالحلول السريعة وعن السمات التي يجب أن تتسم بها الحلول المتأنية الضرورية لمواجهة مشكلاتنا العويصة (المشكلة العويصة هي تلك التي تكون فيها العناصر والاعتبارات غير واضحة ومتغيرة بشكل دائم)، ومن أبرزها ما يأتي:

الاعتراف بالأخطاء التي ارتُكبت

ولا نتحدث هنا عن البحث عن شماعة أو كبش فداء بل عن أهمية ألا ندفن رؤوسنا في الرمال، وأن ندرك بأنه لا يمكن لشخص ما مهما كان منصبه أن يملك كل الحلول. طبعاً الاعتراف بالخطأ هو قبل كل شيء ثقافة، أي ثقافة عائلية أو مؤسساتية تحض على مشاركة الأخطاء بدلاً من محاولة إخفائها، وبيئة تعلُّم مستمر بدلاً من بيئة تأديبية عقابية.

التفكير في السبب الجذري وليس الأعراض

رغم بداهة هذه الفكرة إلا أنها من أصعب الخطوات في إيجاد حل متأنٍ، وذلك لصعوبة مقاومة الرغبة الجامحة للقفز المتسرع إلى النتائج. ذلك أن سبر أغوار المشكلة يتطلَّب التحلي بالصمت والهدوء ومشاهدة ما يحدث بعيداً عن إطلاق الأحكام. وفي هذا الجانب، يجب أن نراعي أيضاً أسلوب صياغتنا للمشكلة، لأن صياغة المشكلة تؤثر بشكل كبير على المشاركين في حلها، والأسوأ من هذا عندما نقترح أو نضمّن الحل في صيغة المشكلة، الأمر الذي يحد من قدرتنا على رؤية بدائل أخرى.

التفكير بعيد المدى

إن التفكير بعيد المدى يتطلَّب التصالح مع حقيقة أنه سوف يساء فهمنا لفترة طويلة في البداية. ومعظمنا قرأ أو سمع عن النهايات المأساوية أو الخسائر المتلاحقة للشركات التي جعلت من الربحية قصيرة المدى هدفاً بحد ذاته. ولكن هذا لا يعني تجاهل الأهداف قصيرة المدى، فعند تصميمنا للحلول لا بد من وضع مؤشرات أداء قصيرة المدى لأنها تساعدنا على تركيز أذهاننا وتوجيه طاقاتنا.

التفاصيل تصنع الفرق

التفاصيل مهمة جداً ولكن قلّما وجدنا من يهتم بها. لماذا؟ لأن التفاصيل لا تلفت الأنظار عادة ونادراً ما تكون حديث الساعة والإعلام. ومع ذلك، فالتفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفرق سواء في تصميم منتجات جديدة أو في تقديم خدمة ما أو حتى في علاقاتنا مع الآخرين.

لعنة الخبرة

مع تقدُّم سنوات الخبرة، تتطور لدى الإنسان مهارةٌ يدعوها علماء النفس مهارة التقطيع Thin-slicing، أي القدرة على رؤية أنماط معقَّدة بمجرد النظر إلى معلومات محدودة، وهو ما يصقل لدينا الحدس. ولكن قد يقع الخبير في شَرَك خبرته التي قد تعميه عن رؤية المستجدات والتطورات. ورغم أهمية "الحدس" الذي ينميه ويصقله الخبير عبر سنوات عمله الطويلة، إلا أنه لا بد دائماً من حماية هذه الملكة العظيمة عبر التواضع.

التعاون مع عقول من خارج الاختصاص

قديماً، كان من الممكن أن نجد أولئك العباقرة متعدِّدي التخصصات كالرازي وابن سينا ودافنشي لأن المعارف وقتها كانت محدودة، ثم أصبح لا بد من التخصص الدقيق في مجال معيَّن. ولكن مع هذا التخصص تأتي مشكلة الرؤية الضيقة ولعنة الخبرة التي أشرنا إليها. ومن هنا تأتي أهمية التفاعل والتعاون بين أفراد من تخصصات متباينة (أو ما يعرف بالتلاقح الثقافي). هذا الأخذ والرد، وتلك النقاشات والمواجهات الفكرية تُعدّ ضرورية للغاية إذا أردنا قدح شرارة الإبداع وخلق مناخ من التنوُّع الفكري، كي لا نقع ضحية عقلية "القطيع الواحد" أو البيروقراطية الفكرية الجامدة. وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.

الحكمة الكامنة في الجموع

إن إمكانات التعهيد الجماعي (crowdsourcing) التي شهدناها مع تطور منصات الابتكار المفتوح وبرمجيات التعاون والتشارك وشبكات التواصل الاجتماعي، فتحت أمامنا الباب على مصراعيه لكي نرشف رحيق الحكمة الكامنة في العقل الجمعي لعدد كبير من الأشخاص الذين لا نعرفهم شخصياً. وفي كثير من الأحيان، يمكن لهذه الحكمة الجمعية أن تتجاوز في دقتها وصوابيتها خبرة الخبراء المختصين. ولكن في تعاملنا مع الجموع لا بد من أن نراعي عديداً من النقاط المهمة، وأبرزها الشفافية الكاملة مع الجموع وتجنب خلق شعور بأن هناك من يستغلها لغاية في نفسه، أو بأن هناك فرداً بعينه يملك هذا الجمع. وكذلك يجب التنبه إلى محاولات البعض التنمر والسيطرة على التفاعل، وعدم الدقة والتحيزات الفكرية، والوقت الطويل الذي تستغرقه النقاشات والتفاعلات بين الأشخاص. لذلك، عند طرح مشكلة للحل الجماعي لا بد من أن ننتبه إلى كيفية صياغة المشكلة وإدارة الجمع ومكافأته، ناهيك عن أهمية التفكير بالمشكلة في جو من الهدوء والعزلة قبل طرحها للنقاش الجماعي، وبذلك نكون قد جمعنا بين حكمة الجموع وعبقرية الفرد.

الدور التحفيزي للقائد

من الإجحاف أن نطالب أي قائد بأن تكون لديه إجابات واضحة حول المشكلات المركبة والمعقَّدة التي تعصف بنا، لذا يجب أن نتذكَّر دائماً بأن القائد لا يملك مفاتيح كل الأجوبة، ولكن تكمن أهمية دوره في تبني الرؤية، وتخصيص الموارد، وبناء الفريق الكفء، وتشبيك الأشخاص مع بعضهم بعضاً، وإدارة المقاومة أو الكسل الداخلي.

المشاعر والمرح واللعب وليس فقط المنطق

في كثير من الأحيان تتصف أساليبنا في حل المشكلات بالمنطق البارد والعقلانية المفرطة، حيث تبدو وكأننا نحاول إصلاح آلة ميكانيكية جامدة، ويقتصر الحديث على الأرقام والإحصاءات. ولكن الجانب العاطفي يقوم بدور جوهري في جميع القرارات التي نتخذها، بل وحتى في تلك التي نخال أننا توصلنا إليها بمحض المنطق البحت، وهذا ما تثبته مئات التجارب الشهيرة التي لا يسعنا ذكرها هنا.

كما أن تحويل المسائل الشائكة إلى ألعاب بات من الطرائق المهمة في حل حتى المشكلات الأكثر جدية كالتعليم العام. فلدى الإنسان ميل طبيعي إلى اللهو والمرح، ولكنَّ عديداً من حلولنا للمشكلات تغفل هذه النزعة التي يمكن أن تحوِّل الحل من حل باهت إلى حل ممتع.

وسبب نجاح هذه التقنيات هو فهمها لعقل الإنسان الذي يميل إلى تحقيق الأهداف والحصول على عائد أو جائزة من هذا الإنجاز وقفزه إلى البحث عن هدف جديد. ويزداد هذا الشعور عندما تكون الجوائز غير متوقعة، وعندما يكون هناك مستوى عالٍ من الترقب. ومن أهم التقنيات هنا تصميم حلقة التقييم (feedback loop). فعديد من المبادرات والحلول تُمنى بفشل ذريع بعد نجاحها الأولي نتيجة غياب المعلومات التي نستطيع أن نفهم من خلالها كيف تسير الأمور. تخيل مثلاً أن تنهمك في لعبة ما من دون أي تكون هناك أي معلومات راجعة تساعدك على فهم مستوى أدائك أو ماذا يحدث من حولك! فالألعاب تجعلنا ميالين أكثر للتجريب والمخاطرة حتى ولو لم تكن جميع العوامل والاعتبارات واضحة أمامنا، لأنها تقوم أصلاً على حس الفضول الذي نتمتع به، ناهيك عن أنها تقدح فينا الإحساس بالمنافسة من جانب، والتعاون مع أعضاء الفريق من جانب آخر.

تطوُّر الحل ونموه

هناك عديد من المشكلات التي لا يمكن حلّها بشكل كامل، وخصوصاً عندما يكون المنظور إلى المشكلة مختلفاً حسب وجهة نظر الرائي، بل هناك من المشكلات التي كلما حاولنا حلَّها زدنا الطينة بِلَّة. لذلك، فنحن في هذه الحالة أمام عالم من المجهول واللايقين. والأفضل هنا أن نتبع طريقة وضع الفرضيات واختبارها وتنفيذها ثم مراقبتها وتعديلها ثم وضع فرضيات أخرى في حلقة مستمرة من التجريب والاختبار، وهذا هو أصلاً المنهج العلمي في الحل: تقبُّل الفشل مبكراً والفشل بسرعة والمحاولة من جديد، والاستمتاع بالعملية نفسها بدلاً من محاولات التشبث بـ "الحل الوحيد" الذي قد نعتقد واهمين بأنه الخلاص. ومن المهم هنا أن نتذكر كلمة هنري فورد "لا توجد مشكلات كبيرة، فهي عبارة عن عدد كبير من المشكلات الصغيرة".

مؤسس شركة فورد للسيارات، هنري فورد: لا توجد مشكلات كبيرة، فهي عبارة عن عدد كبير من المشكلات الصغيرة

إن التأني لا يعني البطء أو العطالة أو الكسل، بل يعني القيام بالشيء وفق السرعة المناسبة سواء أكان ببطء أو بسرعة هائلة. كما يعني أن نمنح كل لحظة في حياتنا الوقت والانتباه اللذين تستحقانه بدلاً من الجري المسعور نحو المواعيد النهائيـة. فحتـى لو كنا تحت الضغط لحل مشكلة بسرعة كبيرة فلا ضير في ذلك، شرط أن نعود إليها مرة أخرى بعد أن نلتقط أنفاسنا، ونشرع من جديد في رحلة البحث عن حل متأنٍ.

ونختم باقتباس لطيف للكاتب الراحل ريتشارد كارلسون من كتابه "تمهَّل لتجري مع دبيب الحياة" (Slowing Down to the Speed of Life) حيث يقول:"عندما تتهادى مع سرعة الحياة فإن منظورك للعالم سوف يتغيَّر. سيغدو أبسط وأكثر حيوية. ستعمل بطريقة أذكى وأكثر حكمة من ذي قبل. ستدرك أن عديداً من الأشياء التي كنت تعتقد في السابق أنها أساسيات ما هي إلا أمور غير مهمة يمكن تأجيلها، أو تفويضها للآخرين أو حتى هجرها. يعيننا العيش مع دبيب الحياة على وضع أولويات حياتنا بطرق أجدى وأمتع. فبدلاً من انتظار الاستمتاع بحياتنا حتى ما بعد الانتهاء من جميع أعمالنا (الأمر الذي لن يحدث إطلاقاً)، يمكننــا أن نتعلَّـم الاستمتاع بالرحلة بدلاً من أن تتسمر أعيننا فقط على المحطة الأخيرة".

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات