عاجل

البث المباشر

الإرياني ومسرحيته الشعرية "الصبــــــاح والريف"

المصدر: محمد محمد إبراهيم - اليمن

أتابع بشغف كبير ودائم الثراء المميَّز لأعداد مجلة القافلة، خصوصاً ملـف العـدد الذي تخصصه المجلة كمحور يتميَّز بالتوغل في كل زوايا فكرة أو مفردة أو صنعة أو حِرفة أو ظاهرة واضحة المعالم في حياتنا اليومية، فيعيد اكتشاف حضورها وارتباطاتها التاريخية بمسار التطور البشري وأهميتها المحورية في حياة الإنسان. وقد تابعت مجموعة من الملفات التي تجعلنا نقف إجلالاً لقيادة المجلة والطاقم التحريري والفني فيها، وأقلامها التي صنعت تلك الملفات، والتي كان آخرها ملف "الصباح" في عدد مارس - إبريل 2019م للدكتور عادل النيل، غير أني لاحظت أنه لم يتطرَّق لمحاور (الصباح ومفارقات الأمكنة- حضراً وبداوة، مدينة وريفاً – صحراء – ومروجاً خضراء) رغم الإشارة الخاطفة إلى بعض منها.

ومع إدراكي أن المجال لم يكن ليتسع للمقارنة بين تلك الأماكن، أودُّ هنا أن أشير إلى مشهد الصباح الريفي في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن) العامرة بالتنوُّع البيئي والمسارح القروية الطبيعية القائمة على الحضارة الزراعية، من خلال استعراض أهم مسرحية شعرية كتبت في طقوس ومظاهر الصباح في الريف اليمني.

موضوع يهمك
?
هذه الصفحة هي للتفاعل مع قطاع المعلِّمين والمعلِّمات ومساعدتهم على تلخيص أبرز موضوعات القافلة في إصدارها الجديد،...

دليل المعلِّمين لمحتوى القافلة القافلة

ما يمثله الصباح للإبداع الإنساني

من البديهي الاعتقاد بأن أحدنا لا ينسى صوراً محفورةً في ذاكرة طفولته عن صباحات الريف، ومواقيته وطقوسه اليومية التي تسير في تناغمٍ جمالي ينعدم تماماً في حياة المدينة.

إنه الصُبح الذي يتنفَّس بلا روح، ويفتح عيون الإنسان، وأسارير الكائنات والأزهار على مهرجان الضوء، في لحظات صباحية اعتدنا عليها، ومشاهد مؤنسنة نتذكرها، كما لو أننا نطلُّ من حواس عجوزٍ ريفي، يتقن معاني الصباح ودلالات الوقت، ويستقرئ أسرار الطبيعة، وفتنتها الكائنة بين الغبش والشروق بالبديهة والفطرة السليمة.

كانت هذه المشاهد والمظاهر تمثل للإبداع الإنساني نبعاً زاخراً بمفردات الحياة الملهمة للإنسان في فنونه وآدابه وإبداعه على مستوى الخيال والواقع. ومن اللافت إن كثيراً من روَّاد الأدب والفن تردّدت في قصائدهم وأغانيهم مفردة الصباح وبعض من طقوسها.. لكننا لم نجد قامة شعرية سلطـت إبداعها وموهبتها الشعرية في تدوين أبرز مظاهر وطقوس اللحظات الصباحية، المعبرة عن ثقافة تعاطي الإنسـان وانسجامــه مع مفردات الطبيعة، في أهم المواقيت الفاصلة بين الليل والنهار، وفي أكثر الأماكـن اتصـالاً بالطبيعة البكر وإنسان الحضارة الزراعية.

وحده شاعر اليمن ومؤرخها وترجمان نقوش المسند الحميري والسبأي مطهر بن علي الإرياني (1933 – 2016م)، استطـاع ذلك في قصيدتـه المغنّاة "ملحمة الريف"، التي تضمنها ديوانه "فوق الجبل"، والتي لحن الفنان أحمد السنيدار ثمانية أبيات منها فقط، من أصل 230 بيتاً، توزعت على فصول مسرحية الصباح التي تشمل الإنسان والكائنات والضوء والطبيعة.

ينقل الشاعر مطهر الإرياني بالعدسة والريشة والموسيقى والمؤثرات الصوتية في مسرحية "الصباح والريف" مسار تفاعل الإنسان مع الطبيعة والكائنات، وجدلية بين الكائنات والبشر، وحوارية بين الضوء والظلام، والأمكنة والمواقيت الصباحية المتقاربة.. ومن هنا يأتي التعقيد في الانتقال من مشهد إلى آخر، حيث تنساب التقاطعات بين المشاهد والمناظر الجزئية.

ولو أخذنا الفصل الأول، لوجدنا الشاعر يستهل مشاهده بلوحة فارهة من التأمل، وكأن المشهد يحكي حياة الكون حين تبدأ من جديد بعد الليل.. وكيف يتمطى الليل راحلاً، بالتزامن مع زحف طلائع النهار، وانسحاب الظلام من مواقعه تحت حشد الضوء المُغير:

استيقظ الكون "كنِّي" به تململ وجمَّع لمَّا تمُّطى قُواهْ
"يا الله رضاك" يا معين أستيقظ الريفْ واسرع يطلب من الله رِضاهْ
والليل لملم من اطْرافه ذيوله ورفَّع من كل جانب رِداهْ
والفجر جيشه تقدم كلما احتل موقع فر الدجى من "قِداهْ"
والشمس عُرْس الصباحْ في خدرها الآن تطلع تزفها أم الحياهْ
والصبح ما قد رفع عنها القناعْ لكن "ازْمَعْ" يُظْهِرْ بشاير سناه

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات