عاجل

البث المباشر

درس المنفلوطي

المصدر: القافلة - محمد حرب
رابط مختصر

يتألَّف المقياس في جودة الترجمة الأدبية من اللغات الأجنبية إلى العربية بشكل رئيس في الوقت الحاضر من مستوى الالتزام بالأمانة في ترجمة النص الأصلي. ويمكن لمستوى الأمانة أن يبلغ ذروته عند بعض الأكاديميين المتخصصين، كما يمكنه أن ينخفض في بعض الترجمات المتسرعة التي يمارسها أناس تقتصر خبراتهم على معرفة اللغة المُترجَم عنها. ولكن في عصر العمالقة، ثمة مقياس بات منسياً تماماً اليوم. والمقصود بالعمالقة هم روّاد النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن التالي.

واحد من هؤلاء هو مصطفى لطفي المنفلوطي الشاعر والناقد والقاص والمترجم.

موضوع يهمك
?
أتابع بشغف كبير ودائم الثراء المميَّز لأعداد مجلة القافلة، خصوصاً ملـف العـدد الذي تخصصه المجلة كمحور يتميَّز بالتوغل في...

الإرياني ومسرحيته الشعرية "الصبــــــاح والريف" القافلة

نشر المنفلوطي في العقدين الأولين من القرن الماضي مجموعة مؤلفات، يقول النُقَّاد إن أهمها "النظرات" و"العبرات". ولكنه ترجم أيضاً مجموعة من الروايات عن الفرنسية، ومنها رواية "في سبيل التاج" لفرانسوا كوبيه، ورواية "بول وفرجيني" لبرناردين دي سان بيار، وقد غيّر عنوانها إلى "الفضيلة"، و"سيرانو دي برجيراك" لإدمون روستان التي أصبحت عنده بعنوان "الشاعر"، و"تحت ظلال الزيزفون" لألفونس كار التي عنونها "مجدولين"، و"أتالا" لشاتوبريان..

ترجم المنفلوطي كل هذه الأعمال عن الفرنسية. ولكن الرجل لم يكن يجيد الفرنسية.

كان هذا العملاق يطلب من أصدقائه أن يترجموا له فحوى هذه الأعمال، ليعيد كتابتها، ليس فقط بأسلوبه الخاص، بل أيضاً وفق مزاجه وقيمه الخاصة. فوقع دارسوه ونُقَّاده في حيرة: هل يعدونه في هذه الأعمال مترجماً أم مؤلفاً؟ إلى أن ظهر مصطلح "الاقتباس" ليطرح نفسه حلاً وسطاً بين الترجمة والتأليف. والاقتباس الأدبي بات شبه منقرض اليوم، لا نسمع به إلاَّ في صناعة السينما عندما يكون الالتـزام بالنـص الأصلي صعباً، أو مكلفاً مادياً.

يقول المستشرق هنري بيريس "إن المنفلوطي لا يبقي من النصوص التي بين يديه، إلا ما يخدم رسالته. وعندما يرى أن النص لا يعبر عما يريده هو، يتدخل ويضخّم فكرة تكاد أن تكون غير ملحوظة في النص الأصلي". ولكن، ما الذي دفع المنفلوطي إلى "التصرف" بمثل هذه النصوص الأصلية التي كانت ذات مكانة عالمية في وقتها؟

كما هو حال كل عمالقة عصر النهضة، كان الرجل يعرف أن للرواية وظيفة اجتماعية، وأن مهمة اللغة والأسلوب هي تمكين الأدب من أداء هذه الوظيفة. وهو يشبه في هذا الجانب معاصره جرجي زيدان، صاحب "روايات تاريخ الإسلام" الشهيرة. ولهذه الغاية، اهتم بجمال الإنشاء في مسعاه إلى اجتذاب القارئ، ونجح في ذلك.

انطلاقاً من بديهية الملاحظة أن القارئ العربي مختلف عن الفرنسي، لم يرَ المنفلوطي قيمة الترجمة في اطلاع هذا القارئ على نظرة الفرنسي إلى القيم والمفاهيم، بل في إفادة هذا القارئ من العمل الفرنسي، الأمر الذي حتّم عليه، أو أتاح له هذا الحد من "التصرّف بالأصل". ولذا، قد يكون من الأصح القول إنه كان يعمل على "توطين" مثل هذه الأعمال الأجنبية، لا على ترجمتها ولا على تعريبها. وفي هذا الصدد، يقول الطاهر أحمد مكي في كتابه "الأدب المقارن" إن المنفلوطي رأى أن ذوق الجمهور في مطلع القرن الماضي يختلف عما قبله، فانساق وراءه مترجماً ومقتبساً ومجدداً". وفي هذا درس، ليس فقط في مجال الترجمة، بل لإنقاذ حركة التأليف أيضاً التي تتخبط اليوم بحثاً عن مريدين وقرّاء يقلّ عددهم يوماً بعد يوم.

وحتى أواسط القرن العشرين، كانت مؤلفات المنفلوطي و"ترجماته" من أكثر الكتب رواجاً. ويرى البعض أنه لولاه لما كانت هناك رواية عربية لاحقاً. حتى إن نجيب محفوظ الذي كان من أشد المعجبين به، قال عنه: "لقد قام المنفلوطي بنقلة كبيرة جداً في عصرنة الأدب وتجديده قبل المجددين الرواد".

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات