عاجل

البث المباشر

الاستزراع البحري.. حلول مبتكرة لمشكلات بيئية خطيرة

المصدر: القافلة - راكان المسعودي

تتزايد أعداد البشر باستمرار، وتكبر معها حاجاتهم الغذائية وتتشعب. وعلى عكس كثير من الكائنات الحية الأخرى، يُفضل البشر أنواعاً عديدة من المأكولات لتأمين المغذيات المختلفة التي لا تتوفر في صنف واحد. ومن أكثر المغذيات شعبية بالنسبة للبشر المأكولات البحرية، التي يكون الحصول عليها صعب المنال في بعض الأحوال، إذ ثّمَّة عوامل كثيرة يجب توفرها، لذلك ابتكر البشر منذ القدم عدة وسائل لذلك، وآخرها هو الاستزراع البحري الذي يمثل شكلاً من الزراعة العمودية في البحار والمحيطات>

,تقدِّر بعض الدراسات أن عدد البشر الذين يعتمدون بشكل أساسي على المأكولات البحرية كمصدر رئيس للبروتين يتعدَّى المليار نسمة، وهو عدد قابل للازدياد.


وتجدر الإشارة إلى وجود طريقة تسمى الاستزراع من أجل الحصول على المأكولات البحرية، وهي تتضمن نوعين؛ الاستزراع المائي والاستزراع البحري. فالاستزراع المائي يتم عن طريق إنشاء أحواض مائية على اليابسة تشبه المسابح. وهذا النوع يستخدم عادة للأسماك التي تعيش في المياه العذبة، لكنه كذلك قد يُستخدم للحيوانات البحرية كالروبيان لأنه يوفر بيئة مغلقة يسهل التحكم بها وإدارتها. والنوع الثاني هو الاستزراع البحري الذي يتم عن طريق نصب هياكل قفصية الشكل في البحر بالقرب من الشواطئ وتثبيتها إلى القاع على عمق يتجاوز العشرة أمتار مع فوهة علوية تسهل من عملية الوصول إلى الأسماك والاعتناء بها. ويُستخدم هذا النوع للأسماك البحرية حيث يوفر لها بيئة قريبة من تلك التي يمكنها العيش فيها.
وعلى الرغم من أهمية المأكولات البحرية الاقتصادية الهائلة، إلا أن أساليب الاستزراع المائي الحالية، خاصة في اليابسة، لم تستطع أن تشكِّل مصدراً مستداماً للغذاء، فتوجه الاهتمام نحو البحار والمحيطات.


تطور الاستزراع

حتى خمسين سنة ماضية، كانت المأكولات البحرية التي نستهلكها في مجملها تأتينا عن طريق أساليب الصيد التقليدية كالصنانير والشِباك. لكن سرعان ما تغير الأمر في منتصف القرن العشرين، مع التبني الواسع لتقنية الاستزراع المائي التي استفادت من التطور العلمي في مجالات تربية المواشي وتغذية الأحياء المائية وعلاجها، إضافة إلى ازدياد الطلب العالمي على الغذاء والمأكولات البحرية كالأسماك والقشريات والرخويات والأعشاب البحرية. أما اليوم فتوفر أساليب الاستزراع المائي نصف ما يستهلكه العالم من الأحياء المائية، أي إن نصف ما نأكله من الأسماك تمت زراعته وتربيته في مزارع مائية على اليابسة أو بالقرب من شواطئ المحيطات.


ساعدت تقنيات الاستزراع في توفير الغذاء لكثير من الناس، وسد الطلب المتزايد الناتج عن النمو السكاني عن طريق مضاعفة الإنتاج السمكي في فترة وجيزة لا تتجاوز الخمسين عاماً فقط. لكن على الرغم من نجاح الاستزراع المائي في الإسهام في سد الاحتياج العالمي، وبالتالي المساعدة في خفض مستويات الجوع حول العالم، إلا أن الاستزراع بنوعيه ألحق أضراراً جسيمة بالبيئة المحيطة لم تتضح لنا إلا في السنوات الأخيرة. ويمكن حصر هذه الأضرار في ثلاثة أمور رئيسة تتلخص في الآتي:

- أزمة العلف السمكي، على الرغم من أنه تتم تربية بعض أنواع الأسماك المستزرعة اعتماداً على أغذية نباتية، إلا أن عديداً منها، وخاصة الأنواع المدجنة حديثاً مثل السلمون، تعتمد على نظام غذائي لحمي مؤلف من كميات كبيرة من الأسماك البرية التي تكون بمثابة العلف. مما يعني أن استزراع كمية معينة من السلمون تتطلَّب كمية من الأسماك الأخرى. ويطلق العلماء على هذا المفهوم معدَّل السمك الداخل والخارج (Fish-In-Fish-Out)، وهو معدّل يحسب نسبة الغذاء الذي يستهلكه الحيوان المستزرع مقابل الغذاء المستخلص منه. ففي بعض أنواع الأسماك قد يصل المعدل إلى 4 كيلوغرامات من السمك البري مقابل كيلوغرام واحد فقط من السمك المستزرع، مما يعني أنه كلما زادت معدلات استزراع هذه الأسماك تنامى الضغط على البيئات التي تعيش فيها الأسماك البرية التي تتغذى عليها. الأمر الذي يشكِّل خطراً على التوازن البيئي للحياة الفطرية البحرية، كما يطرح تساؤلات حول مدى قابلية هذا النوع من الاستزراع للاستدامة. وحتى اليوم، يشكِّل العلف السمكي %20 من إجمالي الأسماك التي يتم اصطيادها حول العالم.


- التلوث وتدمير البيئات، ينتج عن استزراع الأسماك البحرية والقشريات كم كبير من النفايات الحيوانية المتمثلة في البراز ومخلفات الأعلاف غير المستخدمة التي عادة ما تتركز بكميات كبيرة في مناطق ضئيلة ومحدودة. وتحدث هذه النفايات المليئة بالنيتروجين والفوسفور خللاً في نسب الأوكسجين في الماء، وبالتالي انحساراً لها في بعض المناطق الساحلية، مما يؤثر سلباً على النظم البيئية لتلك المناطق.
وإضافة إلى ذلك، هناك الاستخدام غير المسؤول للمضادات الحيوية، والمبيدات الحشرية، بالإضافة إلى مضادات الحشف الحيوية، وهي مواد كيميائية يتم رشها ودهنها على الأسطح والمعدات البحرية لمنع النمو غير المرغوب به للكائنات البحرية الطفيلية كالطحالب. إذ تتسرب هذه المواد الضارة عبر مخرجات السمك إلى قاع الشواطئ التي توجد فيها تلك الأقفاص، حيث تتأثر بها الكائنات البحرية الأخرى التي تتشارك المنطقة نفسها.


- التسرب وانتشار الأمراض، لكن أكبر خطر قد يهدِّد الحياة الفطرية البحرية الذي بدأ يتكشف مؤخراً، هو هروب الحيوانات المستزرعة إلى البيئات المحيطة. فالحيوانات المستزرعة في الأصل تختلف إلى حد كبير عن مثيلاتها الطبيعية، فالأولى تم تعديلها وراثياً لتكون سريعة النمو وأكثر إنتاجية، بينما تستهلك قدراً قليلاً من الغذاء في الوقت نفسه. وأثار هذا الأمر قلق علماء البيئة من أن انتشار هذه الأنواع المعدّلة قد يؤثر سلباً على التنوُّع الجيني في الأنظمة البيئية الطبيعية. كما قد يترتب على هذا الهروب كذلك انتشار الأمراض المعدية الفتاكة، كما حصل للسلمون المستزرع في التسعينيات الميلادية في شواطئ جمهورية الشيلي في أمريكا الجنوبية، إذ تسبب في خسائر فادحة لم تقتصر على المزارع المائية في الشيلي فقط بل أيضاً لمزارع أخرى كثيرة حول العالم.

إن هذه التحديات البيئية وغيرها استدعت إيجاد حلول مبتكرة وإبداعية، من أجل الوصول إلى تقنيات استزراعية مستدامة وصديقة للبيئة، وتشكِّل مزرعة المستقبل المائية المثالية.


الكبسولات المائية في البحار المفتوحة (AquaPods)

كانت الكبسولات البحرية أحد الحلول المقترحة للتغلب على معظم المشكلات التي تواجه المزارع التقليدية. إذ يعتقد مطورها ستيف بايج، مؤسس شركة "أوشن فارم" لتطوير تقنيات الاستزراع البحري في البحار المفتوحة، أن نقل المزارع من المناطق الساحلية إلى البحار والمحيطات المفتوحة هو السبيل الوحيد للتغلب على مشكلات انتشار التلوث وتدمير البيئات الناتجة عن ضحالة المياه وتلاصق الأسماك. فالبحار المفتوحة تعطي مساحة كبيرة للمناورة والتحرك بالنسبة للأسماك المستزرعة مما يخفف من إجهادها، كما تلعب التيارات الطبيعية للبحار والمحيطات دوراً في التخلص من الفضلات السمكية عن طريق بعثرتها بشكل طبيعي كما لو كانت في الطبيعة.


لكن ما يميز هذه الكبسولات هو شكلها الهندسي الجيوديسي الذي يشبه الكرة؛ حيث تستند الكبسولات إلى شبكة من المثلثات المتلاصقة توزع الضغط عبر الهيكل الإنشائي مما يجعلها تتحمل قوى وأوزاناً عالية، فلا تتعرَّض للالتواء أو التقوس سواء بسبب التيارات البحرية القوية أو الأمواج العاتية. كما تجعلها عصية على الحيوانات البحرية المفترسة كالقروش وأسود البحر. والجميل أن هذه الكبسولات البحرية أصبحت تتحوَّل مع الوقت إلى بيئة خصبة لأشكال كثيرة من الحياة الفطرية البحرية تماماً كالشعب المرجانية الاصطناعية.
يقول بايج إن لكبسولاته القدرة ليس فقط على التغلب على معظم مشكلات الزراعة المائية التقليدية، لكنها قادرة كذلك على إنتاج أسماك ذات جودة عالية كنظيراتها البرية بأقل التكاليف وبنسب مخاطرة منخفضة.


الاستزراع البحري متعدِّد التغذية (Integrated Multi-Trophic Aquaculture)

لكن برين سميث، المزارع البحري ومؤسس"غرين ويف"، لديه نظرة مختلفة لمستقبل الاستزراع البحري. إذ يرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في الأساليب التقليدية المتبعة للاستزراع. وأن الحل المناسب لجميع المشكلات الحالية التي تواجهها هي ما يسميه اصطلاحاً "بالاستزراع ثلاثي الأبعاد"، وهو نموذج مطور من تقنية الاستزراع البحري متعدِّد التغذية، ويهدف إلى إيجاد نظام بيئي متوازن يتكوَّن من فصائل مختلفة من الكائنات البحرية التي تتغذى على بعضها بعضاً، بحيث تعمل المزرعة على الاستفادة من مخلفات كائن بحري كمصدر غذاء لكائن حي آخر في المزرعة نفسها، من دون الحاجة إلى إضافة أي مواد إضافية.


يقوم سميث باستزراع أسماكه بمحاذاة منصات عمودية الشكل تمتد إلى قاع البحر تحتوي على أعشاب بحرية مثل "عشبة الكِلب"، والرخويات مثل الأسقلوبية وبلح البحر والمحار. وفي نظامه البيئي المتكامل، تقوم الأسماك والروبيان بإفراز الأمونيا والفوسفور المذاب في الماء التي يتم امتصاصها فوراً من قبل "أعشاب الكِلب" البحرية، بينما تستفيد الحيوانات الرخوية والصدفية الأخرى من المواد العضوية الأخرى التي يتم إفرازها في المياه. وبهذه الطريقة تنتج مزرعة سميث البسيطة خمسة أنواع من المأكولات البحرية بدلاً عن نوع واحد فقط.
أثبتت هذه التقنية أنها قادرة على تخفيف الضغط على البيئة عن طريق التقليل من استخدام المواد الكيميائية الضارة واستبدالها بحلول طبيعية، بالإضافة إلى إيجاد طرق عملية للتخلص من النفايات الحيوانية المتمثلة في البراز ومخلفات الأعلاف غير المستخدمة والضارة بالبيئة. لكن الأهم في نظر سميث هو القدرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمزارع عن طريق تحسين جودة الإنتاج وتخفيض تكاليفه وتنويعه، مما يحد من المخاطر الناتجة عن الآفات والأمراض.
يركِّز سميث كذلك على الشق النباتي في الاستزراع، وهو الجانب الذي قد يتناساه مزارعو البحر عند تركيزهم على الحيوانات فقط. وخاصة الطحالب والأعشاب البحرية "كالكِلب" التي تمتلك خصائص تجعله بديلاً مناسباً ليس لأنواع من نباتات اليابسة فقط، بل كذلك كمصدر للوقود الحيوي، إذ إن مزرعة أعشاب بحرية عمودية بحجم مدينة صغيرة يمكنها أن توفر مقداراً من الطاقة يعادل ما تستهلكه الولايات المتحدة. لكن أكثر ما يميز الأعشاب البحرية هي خاصية امتصاص الكربون من الماء والجو كذلك، مما قد يسهم في الحد والتقليل من الانبعاثات الكربونية الضارة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات