عاجل

البث المباشر

الاستمطار بالليزر.. ظاهرة علمية بميزات استثنائية

يجمع علماء البيئة على أن انخفاض المتساقطات المطرية سيكون من أخطر نتائج تغير المناخ. وقد بدأت هذه الظاهرة الخطيرة تلقي بثقلها على كثير من المجتمعات البشرية على شكل نقص كبير في مياه الري والمياه العذبة الصالحة للشرب. ويتخوف العلماء من تفاقم هذه المشكلات في المستقبل بسبب الزيادة السكانية المستمرة وازدياد الطلــب على الميــاه الآخـــذة في التناقــص؛ مما سيــــؤدي إلى اضطرابــــات اجتماعيـــة، وربما إلى حـــروب بين الـــدول. وللحــؤول دون ذلك، لم يعد أمام البشرية سوى الاعتماد على الخيال العلمي عند بعض العلماء لاجتراح حلول مفيدة ليست متوفرة حالياً. واحدة من هذه التقنيات المأمولة هي إطلاق أشعة ليزر في الجو لتكوين السحب وهطول الأمطار. وقد أظهرت بعض التجارب أنها تقنية واعدة في المستقبل.

حسن الخاطر

معلوم أن السحب أو الغيوم تتشكَّل نتيجة تشرّب الهواء بالماء المنطلق من البحار والمحيطات في حالته الغازية. حيث يرتفع بخار الماء في الهواء إلى الأعلى بفعل درجة الحرارة المنخفضة في تلك الطبقة من الغلاف الجوي. عند ذلك يتكثف بخار الماء حول جسيمات صغيرة من الغبار أو الدخان لتشكّل نواة للسحاب. وهذا يعني أن المكوّن الأساس للسحاب قطرات صغيرة من الماء على شكل سائل أو على شكل جليد أو الاثنين معاً، وعندما يتكثف السحاب يهطل المطر.

أتاح هذا الفهم العلمي للباحثين تخليق غيوم اصطناعية منذ الأربعينيات من القرن الماضي مستخدمين في ذلك الثلج الجاف أو يوديد الفضة، بحيث يتم إطلاقه نحو السماء فيكوّن نواة للسحب. وعلى الرغم من نجاح هذه التقنية بشكل متفاوت، إلا أنها ليست بالمستوى المطلوب من الكفاءة، كما أن لها آثاراً جانبية ضارة محتملة؛ نظراً إلى المخاوف البيئية الذي يشكلها يوديد الفضة في الهواء. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، أتيحت نوافذ جديدة في تقنيات الاستمطار وذلك عن طريق استخدام أشعة الليزر عالية الطاقة لتكون أكفأ وأسلم على المستوى البيئي.

لماذا أشعة الليزر؟

هناك ميزات استثنائية تتميز بها أشعة الليزر عن التقنيات الكيميائية الأخرى المستخدمة في الاستمطار، منها:

1- زرع السحب بواسطة يوديد الفضة له عواقب وخيمة على الغلاف الجوي، وهي مشكلة جوهرية غير موجودة في أشعة الليزر.

2- يتيح الاستمطار بالليزر تحكماً أفضل من الطرق الكيميائية، إذ يمكن إيقاف وتشغيل الليزر وتوجيهه بدقة. وهذا التحكم المرن والدقيق يبين بشكل واضح مدى فعالية هذه التقنية، بينما فعاليتها في المواد الكيميائية مثيرة للجدل.

3- سهولة الوصول بأشعة الليزر إلى المناطـق المرتفعة من الغلاف الجـوي لتوليد السحب العالية. وهذه الميزة لا نجدها في التقنيات الكيميائية الأخرى التي تتطلب جهداً كبيراً لوضعها في المناطق المرتفعة من الغلاف الجوي.
التكلفة الاقتصادية لاستخدام أشعة الليزر أقل بكثير من التقنيات الكيميائية المستخدمة التي تتطلب وجود طائرات أو صواريخ أو مولدات أرضية تقوم بنثر يوديد الفضة في الغلاف الجوي.

الغرفة السحابية

خلال النصف الأول من القرن العشرين، ظهرت فكرة بناء السحب في تجارب مخبرية تعرف باسم الغرفة السحابية (cloud chamber) بواسطة الأشعة الكونية من قبل الفيزيائي الأسكتلندي الحائز جائزة نوبل تشارلز ويلسون. وكان ذلك حين لاحظ ويلسون أنه عندما تصطدم الأشعة الكونية بحاوية محكمة الإغلاق مملوءة ببخار الماء، فإنها تترك وراءها قطرات مرئية من الماء، والسبب في ذلك أن الأشعة الكونية المشحونة كهربائياً تزيل الإلكترونات عن جزيئات الماء، تاركة وراءها جزيئات مشحونة كهربائياً تعمل مثل بقع الغبار على الماء لتتجمع حولها، حيث إن الذرات القريبة من الذرات المتأينة تنجذب إلى بعضها بعضاً لتشكِّل قطرات سائلة. وهذا يعني أن الأشعة الكونية تسهم في تكثيف الماء.

تجارب الاستمطار بالليزر

ألهم هذا الاختبار الفيزيائي في جامعة جنيف جيرومي كاسبريان إلى التساؤل حول ما إذا كان بإمكاننا أن نحصل على مزيد من التكثيف إذا قمنا باستخدام أشعة الليزر بدلاً عن الأشعة الكونية. وإذا صح ذلك، فإن أشعة الليزر تتميز عن الطريقة التقليدية القائمة على يوديد الفضة، بعدة خصائص مهمة. أولاً إن نبضاتها طويلة الأمد، وتكلفتها قليلة، ولا تحتاج إلى طائرات أو صواريخ ومنصات إطلاق، ونجاعتها عالية، وآمنة بيئياً.

أدرك كاسبريان وزملاؤه أن إطلاق الحزم الليزرية القصيرة في الهواء، سيقود إلى تأيّن جزيئات النيتروجين والأكسجين حول الحزمة الليزرية لإنشاء البلازما. وينتج عن ذلك قناة بلازما للجزيئات المتأينة التي بمقدورها أن تكون نواة للتكثف. وبمعنى آخر إن تجريد الإلكترونات من الذرات في الهواء يشجّع على تكوين جذور الهيدروكسيل الذي بدوره يحوّل ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين في الهواء إلى جزيئات تعمل كبذور لتنمية قطرات الماء.

قام كاسباريان باختبار هذه الفكرة مع زملائه الباحثين باستخدام غرفة سحابية مليئة بالهواء المشبع ببخار الماء عند درجة حرارة 24 درجة مئوية تحت الصفر. وبعد ذلك تم إطلاق شعاع ليزري عالي الطاقة وقصير النبضات للغاية، بحيث يقع في نطاق الأشعة تحت الحمراء وفي مجال الفيمتو ثانية (مليون مليار جزء من الثانية). ومثل هذه النبضات الليزرية تولد 220 ملي جول في 60 فيمتو ثانية. وتبين أن هذه النتائج مشجعة جداً، فقد تشكَّلت مباشرة قطرات من الماء يبلغ قطرها خمسين مايكرو متر على طول قناة البلازما. وبعد مرور ثلاث ثوانٍ تزايد قطرها ليصل إلى 80 مايكرو متر. وعلى الرغم أن قطرات الماء المتشكلة أصغر بكثير من قطرات المطر المعتادة، إلا أن الغيمة كانت مرئية تماماً بالعين المجردة، وهذا أمر مذهل!

الخطوة التالية لهذا لفريق كانت استخدام هذه التقنية في العالم الحقيقي. ففي عام 2010م، تم إطلاق ليزر عالي الطاقة في نطاق الأشعة تحت الحمراء في سماء برلين من على بعد 60 متراً. وعلى الرغم من عدم رؤية الغيوم بالعين المجردة وعدم سقوط الأمطار، إلا أن أجهزة القياس وأنظمة تتبع الطقس أكدت أن الليزر عزز كثافة وحجم جزيئات الماء في الهواء. وهذا يعني أن قطرات التكثيف كانت تتشكل.

التطلع إلى المستقبل

على الرغم من أن تجارب الاستمطار بالليزر لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أن نتائجها المبكرة تبدو واعدة. ومن المحتمل مع التقدّم في التقنيات الليزرية أن نتمكن من التغلب على التحديات التي تواجه هذه التقنية خاصة تخليق قطرات من الماء أكبر حجماً، بحيث تصل إلى الحجم الطبيعي الذي يجعلها تتساقط على هيئة مطر باستخدام مدافع ليزرية عملاقة تستطيع تحقيق أقصى قدر من التكثيف. ويمكن للأمر أن يتحقق من خلال تحسين خصائص أشعة الليزر المستخدمة في نطاق الأشعة تحت الحمراء مثل الطول الموجي والتركيز ومدة النبضة. وإذا تمكنا من الوصول إلى الليزر المثالي المستقبلي، سنعيش في عالم لن يعاني الجفاف إطلاقاً. وسنحصل على الماء متى وأينما كانت هناك حاجة لذلك. لكن يبقى الحؤول دون استخدام هذه التقنية سلبياً في الحروب المناخية، كاستخدام هذا النوع من الليـزر في إحـداث البرق والصواعــق، من خـلال تحفيـز أو إحداث التفريـغ الكهربائـي بواسطة الجسيمات المشحونة في السحاب التي تحمل كهرباء ساكنة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات