عاجل

البث المباشر

ستون عاماً على "الحروفية العربية"

المصدر: القافلة - هشام عدرة

مع بداية ستينيات القرن الماضي، ظهرت مدرسة جديدة أو أسلوب جديد في الفنون التشكيلية العربية مزج ما بين أشكال الخط العربي والفنون التشكيلية، وأطلق عليه اسم "الحروفية". وكانت الانطلاقة من العراق مع جماعة فنية أطلقت على نفسها اسم "البعد الواحد".

استمرت الحروفية كشكل من أشكال التجريب في التشكيل والخط العربي حتى الوقت الحالي، وأصبح لها فنَّانوها المتميزون عربياً، وأقيمت المعارض الكثيرة لهم. ولكن هناك من اتَّهم الحروفية بأنها لم تقدِّم خدمة تطويرية للخط العربي، بل طغى عليها التشكيل، وبرز الحرف هنا كحالة جمالية استخدمه الحروفي لزيادة الألق للوحته.

بينما ذهب البعض بأهمية الحروفية، إلى أنها ولو لم تقدِّم عملاً خطياً بجمل مكتملة، فهي خدمت الخط العربي وقدَّمته للمتلقي والجمهور بشكل مغاير للحالة الكلاسيكية التي تعوّد عليها، ويسهب هؤلاء في دفاعهم عن لوحتهم الحروفية في أنهم استطاعوا من خلالها تحقيق تقدُّم لا بأس به في ذائقة المتلقي الأوروبي، الذي شدّته اللوحة التشكيلية المزيَّنة بحروف عربية، فصار لديه فضول كبير لزيادة معرفته بالحرف والخط العربي.

فيما رأى آخرون أنهم أوصلوا لوحتهم بكل زخمها التشكيلي والحروفي واللوني وإبهارها البصري إلى عقر دار مؤسسي المدارس الفنية الحديثة كالتجريدية والسوريالية والانطباعية وغيرها، فاستطاعوا المنافسة واكتساب إعجاب جمهور لا بأس به، وكل ذلك تم بفضل الحرف العربي وتفرّد خصائصه الجمالية والتعبيرية.

إذاً ستون عاماً تقريباً مضت على إطلاق الحروفيـة في الحياة الفنية العربية، ولكنَّ هناك أمماً أخرى ظهرت الحروفية على خارطتها الفنية، وخاصة تلك التي يتمتع لديها الحرف بجماليات خاصة كاللغة الصينية واليابانية.

ويبقى السؤال الأبرز هنا إن كانت اللوحات الحروفية خدمت الخط العربي بفنونه المختلفة وجمالياته وتفرده، أم أن الحروفيين هنا تحايلوا على اللوحة التشكيلية وناوروا بها لتقديم عمل مختلف مستلهمين تراث الخط العربي وروحانيته ليقدِّموا أنفسهم كمجدَّدين ومبدعين ومطوِّرين بل وأصحاب مدرسة فنية ذات خصوصية؟

يرى الخطاط المجدّد منير شعراني أن ليس هناك حروفية واحدة وليس ثمَّة سمات جوهرية مدرسيّة تجمع "الحروفيين" وتربط بينهم. فهناك الحروفيون الأوائل الذين اعتمدوا على الحرف بصيغته الكتابية الأولية الوظيفية لا على الدرجة الفنية الأعلى التي ارتقى إليها، فالكتابة الوظيفية موجودة في كل لغات العالم، لكنها وإن تطوَّرت وأصبح لها قواعد في أدائها لم تنتقل نقلة نوعية تجعلها في مصافّ الفنون التشكيلية؛ لأنَّ بنيتها لا تسمح بذلك.

من جهته يؤكد الخطَّاط والحروفي السعودي ناصر الموسى، أن الحرف العربي طيّع وقابل للتشكيل ويمكن تقديم أعمال إبداعية نصية ليس الهدف منها قراءة المحتوى الأدبي فقط، بل التحاور معها بصرياً بحيث نتلمَّس مواطن الجَمَال في هذه التشكيلات وتُعدُّ أيضاً هوية، وليست كل الهوية بل هي جزء من الهوية العربية، بمعنى أننا نتكل على الحرف العربي للتعبير عن هويتنا وفتح الطريق للفنانين الذين يتخذون من هذا الميدان مجالاً للتشكيل أو مجالاً للإبداع أو التعبير عن أحاسيس وخواطر وأفكار ورؤى وفكر وثقافة. فالحرف قابل للتشكيل والتحاور من قبل أي فنان عربي.

وللنقَّاد الفنيين ومحللي ظاهرة الحروفية رأي آخر. فالدكتور محمود شاهين، يرى أن تيار الحروفية لا يعيش معزولاً عن باقي الاتجاهات والمدارس الفنية السائدة في هذه الحياة الفنية، بل يتفاعل ويتعايش معها، يدفعه هاجس تحقيق الهوية المحلية في المنجز البصري المعاصر، خاصة بعد الطغيان الهائل، للاتجاهات والأساليب والتقانات الغربية الفنية، على فنون هذه الحياة! فمن المؤكَّد أن الخط العربي، يُعدُّ من أهم وأبرز العناصر التشكيلية القادرة على التجاوب مع الفنان التشكيلي، ومساعدته على استنهاض عمارة تشكيلية متفردة في منجزه البصري، نظراً لصفة الخط العربي الكامنة التي تتيح لهذا الفنان إمكانات كبيرة للتعبير عن الحركة والكتلة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات

الأكثر قراءة