عاجل

البث المباشر

الاقتصاد العالمي بعد كورونا.. تداعيات الأزمة وفرص الابتكار

المصدر: القافلة

منذ تفشِّي وباء كوفيد19- على نطاق عالمي في الأسابيع الأولى من هذا العام، وراحت الحكومات تغلق مرافقها الاقتصادية والإنتاجية درءاً للوباء، تأكَّد العالم أنه ستكون لهذه الجائحة آثار ضخمة على كافة الصُّعد، ومن بينها طبعاً الاقتصاد. فتعدَّدت محاولات استشراف ما ستكون عليه أحوال الاقتصاد العالمي بعد زوال الوباء. وبمرور الأسابيع والأشهر التالية، ازدادت التحليلات وتعدَّدت القراءات، ولا شيء يجمع بينها سوى التحذير والتشاؤم، مما سيؤول إليه الاقتصاد العالمــي، انطلاقاً من مؤشرات ووقائع ملحوظة بوضوح اليوم، وستستمر بالتصاعد طالما أن لا علاج لهذا الوباء ولا لقاح يقي منه في المستقبل المنظور.

الدكتور حبيب الزغبي الخبير المالي والاقتصادي

انطلاقاً مما تسبَّبت به جائحة كوفيد19- حتى الآن، التي لا نهاية لها في الأفق المنظور، بات في حكم المؤكد أنها ستسبَّب في نهاية المطاف أسوأ ركود اقتصادي حول العالم منذ الحرب العالمية الأولى، خاصة في القطاع الخاص، مع ما يعنيه ذلك من أزمات بطالة وإفلاس وتغيير في حجم القطاعات الاقتصادية والمنتجـات الاستهلاكية، وصولاً إلى تغيير في موازين القوى السياسية والاقتصادية.

وبما أن كل أزمة هي في الوقت نفســه فرصــة جديدة، فهل سنستطيع تحويل هذه الجائحة إلى ابتكار جديد، كما استغل "جاك ما" مدير شركة علي بابا في الصين، على سبيل المثال، وباء "سـارس"، وهو من عائلة كوفيد19- نفسها، ليصبح من أكبر التجَّار على الإنترنت في العالم، بعدما كان تاجراً صغيراً في شقته.

نوع جديد من الأزمات

إذا استثنينا الحروب، كانت الأزمات الاقتصادية الكبرى، بعد الثورة الصناعية ناتجة بشكل عام عن استثمارات مالية عالية المخاطر بسبب أزمة مصرفية ومالية ما، مثل أزمة عام 2008م الناتجة عن الارتفاع الكبير بأسعار العقارات في الولايات المتحدة، يرافقها ارتفاع خطير في المديونية. أما هذه الأزمة فقد تسبَّب فيها عامل غير اقتصادي، أجبر كل اقتصادات العالم على التوقف شبه التام، وليس مجرد تباطؤ، وأجبر حوالي 187 بلداً حول العالم على الحجر.

فقد تمَّت مواجهة الأزمات الماضية بالطرق الكلاسيكية، أي عبر ضخ أموال في الاقتصاد والمشروعات وخفض الفوائد ومنح الحوافز. أما الآن، فغير معروف بالتأكيد موعد انتهاء هذا الفايروس نظراً لاحتمال حصول موجة ثانية أو ثالثة، وطالما أنه لا يوجد لقاح أو دواء متفق عليه، ستتغير تصرفات الأفراد بالنسبة لطريقة العمل والعيش والإقدام على المخاطرة والاستثمار والتوظيف والاختلاط مع الآخرين، مما سيؤثر على شكل الاقتصاد بعد الجائحة بشكل دائم.

أزمة ممتدَّة نحو مسارات متعدِّدة الاحتمالات

نظراً لعدم قدرة العالم على تحديد موعد نهاية الفايروس، ستكون الأزمة على الأرجح طويلة، وسيصبح كلُّ من المستهلك والمستثمر أكثر حذراً وترقباً لاحتمال حصول موجة أخرى. وبما أن العجلة الاقتصادية تتأثر أيضاً بالناحية المعنوية والنفسية، فإن الحجر الصحي الطويل والخسائر الكبيرة، سواء أكانت مادية أو في الأرواح، والخوف من المستقبل، وفقدان الوظائف، وفقدان المقربين، سيجعل المستهلكين والمستثمرين يتردَّدون كثيراً في المخاطرة ومعاودة النشاط العادي. مما سيؤجل عودة النمو الطبيعي وتحريك العجلة الاقتصادية. ومن المتوقع أن تعاني الولايات المتحدة، مثلاً، من انكماش اقتصادي بنسبة - %2 هذا العام، وأوروبا بنسبة

- %6. وحتى الصين، فسينخفض النمو لديها من + %6 كما كان في السنــة الماضيــة إلى %3.75+ هذه السنة.

وفي هذا الشأن، تقول كريستين لاغارد، رئيسة المصرف المركزي الأوروبي: "إن منطقة اليورو تواجه انكماشاً لم يحصل سابقاً أيام السلم وأتوقع انكماشاً ما بين %5 و%12 من الناتج القومي في العام الجاري، مع تداعيات غير معروفة بعد على الوضع الاجتماعي". ونتيجة ذلك، أقدمت الدول والمصارف المركزية على ضخ أموال بشكل غير مسبوق في الأسواق لمواجهة الأزمات العميقة التي سيسبِّبها فايروس كورونا.

فقد باشر المصرف المركزي الأوروبي بضخ 750 مليار يورو في الأسواق، واعتمد مؤخراً على زيادة 120 مليار يورو، وقرَّر أن يدين المصارف بفائدة سلبية %0.75-. شرط أن تموّل الشركات المتوسطة والصغيرة.

كما أن إنجلترا وفرنسا باشرتا بدفع %80 من كل الأجور خلال مدة الجائحة شرط ألَّا تستغني الشركات عن موظفيها. أما في الولايات المتحدة فانخفضت الفوائد حتى قاربت الصفر، ويضخ المصرف الفيدرالي والدولة معاً ما نحو 4.7 تريليون دولار، أي حوالي %20 من الناتج القومي، لزيادة السيولة في الاقتصاد. وأدى كل ذلك إلى انخفاض أسعار البورصـات العالميــة كلها بنسـب تتــراوح بين 10 و40 بالمئة.

الأكثر تضرُّراً: سوق العمل والنقل والسياحة والسيارات

إن الحجر الصحي وتوقف الأعمال سيحدث مزيداً من البطالة في معظم بلدان العالم، مما يؤشر إلى حدوث أزمة اجتماعية ومعيشية في كثير منها. ويُتوقع أن تصل البطالة في العالم مثلاً إلى حوالي 200 مليون نسمة قريباً. ويخرج كل أسبوع في الولايات المتحدة من سوق العمل ما بين 2 و6 مليون عامل. ونظراً لأن هذه الأزمة غير واضحة المعالم، ولأن النمو لن يعود قبل الجزء الأول من عام 2021م على أقرب تقدير، ستزداد البطالة بأرقام قياسية دون استطاعة الدول من معالجتها بشكل فعَّال.

ومن التداعيات الأخرى، المديونية التي تتصاعد في القطاعين العام والخاص على السواء، والتي ستصل إلى مستويات خطيرة. إذ صرح البنك الدولي أن أي نسبة للدَين العام إلى الناتج القومي تفوق %80 تشكِّل عائقاً للنمو. في حين أن الدَين الشامل للشركات غير المالية في العالم نسبة إلى مبيعاتها كان %94 في أول عام 2020م، وهو الأعلى تاريخياً. أما اليوم فإنه في ازدياد ملحوظ، وسيصل، بتقديرنا، في آخر عام 2020م إلى %110 على الأقل. وأما القطاعات الأكثر تأثراً بهذه الأزمة وحتى منتصف العام المقبل 2021م، فهي السياحة والنقل والنفط والمطاعم والسيارات والتسويق التقليدي، وشركات سلاسل التوريد التي تقدِّم خدماتها لهذه الشركات.

القطاعات المستفيدة:

التجارة الإلكترونية وصناعــة الأدويــة وقطــاع تقنيات المعلومات

أما القطاعات التي ستستفيد ولن تتأثر فهي التسويق الرقمي والتجارة الرقمية مثل أمازون وعلي بابا وسواهما. وستزدهر سلاسل المحلات الغذائية، والمنتجات الغذائية المحلية. وستستفيد كذلك شركات الأدوية وخاصة الأدوية "المفيدة" من الوقاية من فايروس الكورونا وأدوية الأعصاب. وستكون الأكثر استفادة قطاعات تقنيات المعلومات التي ما زالت تُستعمل يومياً في المنازل. وشركات مثل "مايكروسوفت"، وشركات الهواتف المحمولة والاتصالات والمخابرة عبر الفيديو التي تستخدم للاجتماعات الافتراضية مثل "زوم" وشركات الأفلام من المنازل "نيتفليكس".

أما الشركات التي ستبرز في المستقبل هي تلك التي ستستثمر خلال هذه الأزمة في الإبداع والبحث. حيث أجرت شركات بحثية مثل "باين أند كو" (Bain&Co) و"غارتنير" (Gartner) إحصاءات استنتجت بموجبها أن الشركات التي تستثمر في البحوث وفرص نمو جديدة، عوضاً عن تسريح موظفيها وتخفيف مصاريفها خلال الأزمات الكبيرة، تخرج من الأزمة منتصرة على سواها. فعند انتشار فايروس سارس، على سبيل المثال، توسعت شركة علي بابا واستثمرت كي تصبح مبيعاتها توازي 470 مليار دولار. أما شركة سانوفي (Sanofi) للأدوية، فقد استثمرت أيضاً خلال الأزمات في البحوث، واكتشفت أدوية جديدة وخرجت بوضع جيد جداً بعدها.

العولمة هي المتضرِّر الأول

النتائج الأولية التي شاهدناها لجائحة الكورونا حتى الآن هي انكفاء الدول كافة عن مجالاتها الحيوية ومحاورها وأحلافها. إذ رأت نفسها كأنها عادت إلى نمط اكتفاء ذاتي قديم عفا عليه الزمن. فالدول الأوروبية لم تستطع مساعدة إيطاليا وإسبانيا وفرنسا عند ذروة الأزمة. واضطرت هذه البلدان الثلاثة الانتظار، ومن ثم استيراد الكمامات وآلات التنفس الاصطناعي وغيرها من الصين وحتى من روسيا. كما اضطرت الولايات المتحدة، القوة العظمى في العالم، انتظار وصول الكمامات من الصين. وقد توقف إلى حد كبير استيراد الغذاء والمأكولات، واضطر كل بلد إلى الاتكال على نفسه حتى لو كلفه ذلك تضخماً في الأسعـار، أو نقصـاً مرحليـاً في بعض السلع.

ويبدو أن مبدأ ديفيد ريكاردو، "الأفضلية المقارنة"، الذي تكرَّس في التجارة الدولية منذ القرن الثامن عشر، أي أن تستورد السلعة التي تصنع بتكلفة أقل مما هي لديك، قد انقلب رأساً على عقب. إذ أنت مضطر اليوم أن تصنع ما تستهلكه بأي تكلفة، وهذا مؤذٍ جداً للاقتصاد.

عالم جديد بعد كورونا؟

إن المستفيد الأكبر من هذه الأزمة ستكون الصين. فهي انتصرت على الفيروس بسرعة، وما زالت تنتج معظم السلع المطلوبة في العالم بسعر تنافسي، ولديها صندوق استثماري في السندات الأمريكية والاستثمارات هو الأكبر في العالم. إضافة إلى أن الهبوط الحاد في سعر النفط منحها مزيداً من الزخم للمنافسة في المستقبل، ومن المتوقع أن تنتج %38 من كل صناعات العالم في بداية العام المقبل 2021م. أما المستفيد الثاني، فهي ألمانيا، حيث ضبطت تفشي الفيروس، وما زالت تتمتع بمديونية منخفضة لا تتجاوز %50 من ناتجها القومي. وقد برهنت على قدرتها أن تكون مكتفية ذاتياً، كما برهنت أيضاً على نظام استشفائي فعّال يتمتع بجودة عالية.

ونتيجة لجائحة الكورونا أيضاً، سيحدث تباعد بين بعض البلاد الأوروبية لأن بعضها لم يستطع دعم البعض الآخر. وسينتج عن تردي الأوضاع المالية انغلاق وتنافس على الأموال الموجودة، وتباين في السياسات المالية وفي مستوى عجز الموازنات المسموح به. وسيكون هناك تباين عند بعض منها يرغب بفتح الحدود في وقت أبكر، قد لا يناسب بلداناً أخرى في الاتحاد. كما أن موضوع دعم البنك المركزي الأوروبي لبعض البلدان سوف يشكِّل موضوع تباين بينها، وبما أن المملكة المتحدة بصدد مغادرة الاتحاد، فإن زخمه السياسي والاقتصادي سينخفض.

التباعد الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة

هل سنقف في وقت قريب وننظر إلى أماكن العمل الفاخرة وناطحات السحاب الشامخة، التي بنيت في فترة الازدهار الماضية، كما ننظر اليوم إلى الأكروبولوس أو الأهرامات؟ فالفيروس يدفعنا إلى الإغلاق واتباع طرق متنقلة للعمل، وهجر هذه الأماكن الفخمة إلى أخرى أكثر تواضعاً وانعزالاً.

لدينا الآن التكنولوجيا التي تمكننا من العمل في أي مكان وفي أي وقت. وسيدفع هذا تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الأجهزة النقالة، والشركات التي تبنت بالفعل بنية متفرقة، أو حتى درجة من العمل الرشيق، إلى المقدِّمة على حساب اللاعبين التقليديين الذين وضعوا استثمارات كبيرة تقف الآن مغلقة وصامتة.

وسيعيد التباعد الاجتماعي النظر في قيم سائدة تشكِّل حالياً جوهر السوق العصرية القائمة على الاقتصاد الاستهلاكي. إننا نستهلك كثيراً من السلع في سبيل التميز والتأكيد على الانتماء إلى العصر في مجتمع عامر بالاجتماع والاختلاط. وهناك تساؤلات كثيرة جديدة ستظهر لتتحدى تلك القيـم الاستهلاكية؛ مثلاً، ما قيمة أن نشتري ملابس باهظة الثمن من علامة تجارية مميزة إذا كنا لن نخرج من جحورنا ونلتقي من ينظر بإعجاب إليها. أو ما قيمة سيارة فخمة إذا كانت ستقبع في المرآب؟ سيكون لذلك تأثيرات اقتصادية كبيرة على سلسلة من القطاعات المتصلة.

التداعيات في العلاقات الدولية

أما التداعيات السياسية لأزمة الكورونا فهي أولاً ما سينتج منها من تشنج بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى. إذ اتهمت الأولى الأخيرة بأنها كانت تعلم بتفشّي الفايروس ولم تبلغ العالم في الوقت المناسب، كما أنها تتهمها في أن من المحتمل أن يكون الفايروس قد تسّرب من مختبر في يوهان في الصين وليس بشكل طبيعي من الحيوان. وهذا التشنج له أيضاً خلفيات اقتصادية.إذ إن الولايات المتحدة باتت تشعر بتهديد الصين الجدي لها كقوة اقتصادية أولى، وقد حسّنت الصين من موقعها ووضعها الاقتصادي في العالم نتيجة أزمة كورونا، بينما تلقّى اقتصاد الولايات المتحدة صفعة كبيرة ستحّد من تطوره على المدى المنظور.

هذا التشنج الذي تفاقم بسبب الكورونا بين البلدين سيجعل الصين تتحرَّك بأسرع وقت كي تتعامل تجارياً مع جزء كبير من شركائها بسلة من العملات تحتوي على عملتها الوطنية، إضافة إلى الروبل الروسي وغيره، أو بالعملة الافتراضية (Crypto Currency)، وهذا سيكون بمثابة تطوّر أساسي سيحصل في التجارة العالمية.

لن يكون العالم بعد الكورونا كما كان قبله. إذ إن تغييرات عديدة ستواجه معظم دول العالم في المستقبل القريب والبعيد، لكننا غير متيقنين بدقة من طبيعتها وآثارها على الاقتصاد والوضع الاجتماعي والنفسي. كل ذلك متعلق بأمرين:

01
هل سيجد العلماء لقاحاً أو دواءً شافياً ويستطيعون بهما السيطرة على هذه الجائحة؟
إذا كان الجواب إيجابياً، لن تكون التغييـرات كبيـرة أو خطيرة.

02
كيف ستتفاعل اقتصادات العالم إذا استمرت الجائحة؟
هناك ثلاثة احتمالات تتوقف حول شكل تفاعل هذه الاقتصادات. وقد بات سائداً في الأدبيات العالمية التعبير عن هذه الأشكال من التفاعل بالأحرف اللاتينية L ،U ،V:

أ - شكل V يمثل تعافياً سريعاً
ب -
شكل U يمثل تعافياً كبيراً ولكنه بطيء
ج -
شكل L يدل على عدم التعافي في المدى المنظور مع أزمة عميقــة على المـدى المتوسط والطويل

إن تحليلنا بناءً على ما نراه من خسائر وإفلاسات تحصل بشكل متزايد، وعلى ضوء مستويات الدَين التي سترتفع في القطاع الخاص والعام، يشير إلى أننا نتوجه إلى سيناريو الانكماش الحاد ثم النمو على طريقة ما بين الــU وL وليس الــ V الذي هو التعافي السريع. ويجب على الجميع أن يستعد لمواجهة مثل هذا السيناريو وأخذ العبر لتحصن الحكومات مجتمعاتها واقتصاداتها للخروج من الأزمة بأقل حد من الخسائر.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

إعلانات

الأكثر قراءة