عاجل

البث المباشر

أسئلة الهوية وفن العِمَارة

المصدر: الدكتورة سمية السليمان

ما الذي يتبادر إلى الذهن عندما نسمع كلمة العِمَارة أو التصميم؟ أهو بناء المسكن الذي شاب له الرأس؟ وهل يرتبط ذلك بترف الأغنياء أم أن الاستمتاع بعِمَارة وتصاميم ذات جودة حق مشروع للجميع؟

كثيرة هي الافتراضات والاعتقادات الخاطئة والالتباس في الفهم عندما نتكلم عن العِمَارة والتصميم، وتقتصر في الغالب على النظر إلى جانب ضيق جداً لا يعطي التخصصات حقها.

ترتبط العِمَارة والتصميم بالقضايا المجتمعية والبيئية الكبيرة والمؤثرة. فمن خلال التصميم يمكننا أن نتوصل إلى تغييرات سلوكية قد تحسّن صحة مجتمع أو تقلل الجريمة أو التخريب. ويمكن للحلول التصميمية أن ترفع مستوى العدالة المجتمعية في البيئة الحضرية، كما يمكنها أن تتعامل مع قضايا مثل الفقر والتنقل وغيرها الكثير.

للعِمَارة أبعاد عدة منها الثقافي والفكري والتقني والاجتماعي والاقتصادي. فبعض المعماريين يركِّزون على جوانب الإنشاء، ويركِّز آخرون على برامج الحاسب الخاصة بالإظهار والإبهار. كما أن القضايا البيئية والاستدامة تشغل بعضهم كذلك. وفوق هذا كله معايير الإنسان والجَمَال والتجربة الإنسانية ذات المعاني العميقة.

أكثر الحوارات المزعجة هي تلك التي يدَّعي المعماريون أنها عن العِمَارة عندما يتحدثون عن سماكة الطوب أو خواص العزل، وكأن ذلك أمر محوري في تقدُّم العمران.. نحن نعلم أن المواصفات التقنية جزء لا يتجزأ من البناء، ولكنها ليست صلب العِمَارة. وهل يناقش الشاعر نوع الخط الذي يكتب به شعره؟ إننا نفتقد المعاني في العِمَارة لأننا لا نصنعها، بل ننتج مراراً وتكراراً قشوراً وأشكالاً.

من الأسئلة الصعبة هو: مَنْ أنت؟ سؤال بسيط في مظهره معقَّد في مقصده، ولا يرضى بالإجابات السطحية. فماذا إذن عن سؤال مَنْ نكون كمجتمع أو كشعب؟ لا يكفي أن نذكر أسماءنا فقط، فالأسماء تتكرَّر. ولا يكفي أن نعرف مَنْ نكون من خلال ذكر مَنْ لا نكون، أو ما لا ينطبق علينا. ما هي تلك القيم المحدَّدة لجوهرنا؟ ثوابتنا التي لا نتنازل عنها؟ أمجادنا وجراحنا التي تشهد على ماضينا؟ كيف وصلنا هنا وما الذي يميزنا؟ يتكرَّر سؤال الهوية في العمارة، ولكن الأجوبة عليه في الغالب لا تشبهنا.

لسنا فاقدين للهوية، ولكننا عاجزون عن التعبير عنها. فكوننا لا نسمح للعِمَارة بأن تمثلنا لا يعني أننا نفتقد الكيان، بل ما يعنيه هو أننا عاجزون عن التعبير. نفتقد المفردات ولا نعرف كيف نوصل صوتنا بطريقة بليغة. هذا حال المعماري الذي وجد نفسه لسنوات في دوَّامة من الحوارات المكرَّرة التي لا تضيف المعاني.

متى نستجوب حالنا؟ كيف نوفِّر مساحة آمنة ومتوازنة للتحاور حول مستقبلنا العمراني؟ حالياً، نستمع لبعض الأصوات القليلة التي تحاول أن تسهم في تطوير الفكر المعماري. ولكننا نلاحظ أن هذه الأصوات تبقى وكأنها خطب، لا تناقش ولا تستجوب. وما بين هذه الأصوات المتوازية التي غالباً ما تكون من الجيل الأول أو الثاني، وبين الجيل الحالي نجد فجوة كبيرة. فجوة في التواصل وكأنها بين شعوب لا تشترك باللغة.

مسكينة هي العِمَارة، وهي ضائعة بين مهندس مدني ومقاول ومطوِّر عقار. ولعقود من الزمن تطاول عليها كثيرون، حتى أصبحنا لا نميِّز المعماري بينهم. وبعد أن كانت العِمَارة أم الفنون، أصبحت تذيّل قائمة المهندسين بأنواعهم، وكأنها انتقلت لتعيش في بيت زوجة الأب (هيئة المهندسين). ونشكرهم على الضيافة في مكان لم يكن لهم بالأساس.

وها هي هيئة فنون العِمَارة والتصميم تأتي لتنظم القطاع وتسد الفجوات وتصحح الحال. ولكن الأهم أن الاستراتيجية تتجاوز هذا التصحيح بمراحل. فلن يكفي أن تنحصر أعمالها في ردود الأفعال، لأن الطاقة الكامنة في هذا القطاع هائلة. ففي الدول التي تتميز بقطاع تصميمي قوي، نجد أن نسبة %7 من الناتج المحلي هي من إنتاج هذا القطاع.


**الدكتورة سمية السليمان هي الرئيسة التنفيذية لهيئة فنون العِمَارة والتصميم

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

كلمات دالّة

#القافلة

إعلانات