ما هي مفاجأة اليوم؟

جاسر عبدالله الحربش

جاسر عبدالله الحربش

نشر في: آخر تحديث:
الظواهر الطبيعية منها ما يأتي بشكل منتظم ومتوقع ومنها ما يحل بشكل مفاجئ ومفجع وقد يسبب الكثير من الدمار، وفي هذه الظواهر يتشارك كل البشر والكائنات. لكن هناك أنواع من الظواهر التي يمكن اعتبارها من الخصوصيات الوطنية، وهي كثيرة عندنا ويمكن اعتبارها ظواهر لأنها تتكرر بشكل منتظم لا يحتاج أحد لتوقعه لأنه آت لا محالة، من هذه الظواهر الطبيعية الخاصة بنا طبق اليوم الوطني المعروف، رز ودجاج وطاسة لبن للكبار، وهمبرقر ومايونيز وعلبة بيبسي للصغار. مثلما يترتب على الظواهر الطبيعية الكبرى ظواهر فرعية كالمطر والربيع والجفاف والقحط والرعود والعواصف يترتب على ظاهرة طبق اليوم الوطني وفرة الغازات والحموضة وكركرة المصارين. إذا ضربنا غازات كل مواطن ومقيم بعدد السكان ثم أضفناها إلى مخزون شركة الغاز الوطنية التي انفجر أحد صهاريجها قبل أسبوعين تصبح لدينا كميات مهولة من الغاز الوطني تكفي لتغطية وحجب كل أسباب وألغاز المفاجآت في حياتنا اليومية.

لدينا إذا ظواهرنا الخصوصية المتكررة بدقة متناهية مثل الطبق اليومي المشار إليه أعلاه وغرامات ساهر وفواتير الكهرباء والجوال التي ترتفع وتنخفض بمزاجية تستعصي على الفهم، ومثل تشليح كم بيت وسيارة يوميا في أكثر من حي سكاني، أو وفيات الشباب في حفلات التفحيط والمدرسات في طرق القرى النائية، أو انقلاب شاحنة نفط في طريق صلبوخ أو الدمام، ومثل حصول أعداد قياسية من الحوادث المروعة التي تنتقل على إثرها عوائل كاملة إلى رحاب الله، ومثل قضاء نهاية الأسبوع في الثمامة اضطرارا، على بعد مرمى حجر من دوار العويضة لأن غبار شمال وشرق الرياض أنظف من غبار جنوبها وغربها، وعلى هذا المنوال يمكن القياس إلى ما لا نهاية.

هذه الأنواع من الظواهر الخاصة لم تعد تؤثر في المواطن لأنها أصبحت روتينية وتحصيل حاصل. المشكلة تبدأ وتتعقد مع نوع آخر من الظواهر التي لم نحسب حساباتها أي تلك المفاجآت المفجعة التي يجب أوكان يجب ألا تحدث لوكانت مواصفات الالتزام بالمهمات والمسئوليات تسير على ما يرام. لكن بما أن لو تفتح عمل الشيطان كما يكرر الدعاة والوعاظ فعلينا أن نتعظ بكلامهم حتى لو ارتكب بعضهم من الجرائم والآثام ما تقشعر له أبدان الأسود والضباع والتماسيح.

على سبيل الأمثلة، من المفاجآت غير المتوقعة التي أصبحت بحكم الظواهر انفجار صهريج غاز يسير بسرعة عالية في شريان مواصلات رئيسي من طرق العاصمة. لم يعد يكفي المواطن إحساسه بالانفجار من غازات الطبق الوطني اليومي في بطنه، وعليه أن يتحمل غازات إضافية من صهاريج الشركة وصهاريج الشفط والبيارات الطافحة وعوادم السيارات والمناطق الصناعية في جنوب وشرق الرياض. انفجار صهريج الغاز في طريق خريص كان فاجعة غير متوقعة، زاد في آلامها وأحزانها تجمع آلاف المتفرجين في لمح البصر مثل الغربان والنسور على الطرائح، وكون بعضهم متلثما بالشماغ ومشمرا عن سروال السنة حضر ليس للمساهمة في إسعاف المصابين وسحب السيارات وزحزحة الركام، وإنما للاستمتاع بالمنظر والخروج ببعض الغنائم والأسلاب.

كذلك من الأمثلة على الفواجع التي أصبح لها حكم الظواهر المتكررة أحداث قتل الأطفال من قبل آبائهم الأوصياء عليهم بعد تطليق الأمهات واسترداد كامل المهر أحيانا، لأن الأم لم تستطع الاستمرار مع زوج شرير نزع الله الشفقة من قلبه بالمخدرات أو بمرض نفسي، لكنه يمارس التقية الاجتماعية بتزييف مظاهر التقوى والصلاح المتفق عليها اجتماعيا ببلاهة نمطية. المفجع الأكثر في هذه الجرائم الوحشية هو أن الحكم القضائي يكون هو الذي سلم الطفل إلى قاتله كوصي عليه، وأقول الحكم القضائي ولا أقول الحكم الشرعي لأنه لا يوجد بالضرورة وفي كل حالة تطابق مضمون بين الحكم القضائي والحكم الشرعي المناسب. أريد أن أسأل هنا فقط كم مرة سمعنا بارتكاب الأمهات جرائم قتل على أطفالهن ولماذا لا يؤخذ مبدأ الحرص على سلامة الطفل في المقام الأول عند الحكم بالوصاية، ولماذا يتحمل القضاء والدولة والمجتمع أوزار كل الآلام التي يسببونها للأمهات المفجوعات أولا بالطلاق وثانيا باستلاب أطفالهن وأخيرا بتسليمهم لهن قتلى مغتصبين مهشمي الجماجم محطمي الأضلاع.

أريد أن أضيف باختصار إلى قائمة الظواهر غير المتوقعة والمفاجئة للمجتمع السعودي تحول الاحتفالات باليوم الوطني إلى مهرجانات تخريب وتحرش واستهتار بالآداب العامة والأعراف الأخلاقية بسبب حضور لاعب كرة أجنبي إلى البلد كضيف، تحولت الصالة الملكية في المطار إلى مسرح للفوضى العارمة والهيجان الغريزي وتمكن المتحمسون المبرمجون تعليميا وثقافيا على التفاهات والصغائر، من السيطرة على المشهد وشل النظام وتقديم أقبح وجه لعقلية الفوضى على شاشات الأخبار العالمية.

مع تكالب وتكرر هذه الظواهر على المواطن يصبح البقاء يوما إضافيا على قيد الحياة من المعجزات الربانية، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.


*نقلاً عن صحيفة "الجزيرة" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.