الطبيب المسكين

تركي الدخيل

نشر في: آخر تحديث:
هل يتخيل أحدنا كيف يعني أن يبقى إنسان ثمانية أشهر دون أن يستلم راتبه؟!

حالته ستكون مزرية بالفعل، فكيف إذا كان متزوجاً؟!

بل كيف سيكون الحال إذا كان لديه طفل أو أطفال؟!

ماذا نريد من شخص ليس لديه قوت يومه، ولا أسبوعه، ولا شهره، ولا سبعة إلى ثمانية أشهر!



بالأمس القريب التقيت طبيباً عربياً يعمل في الرياض، فتشبث بي ليبث همه، ويشكو شكاة المتألمين. قال لي هذا هو الشهر الثامن الذي لم نستلم فيه قرشا من رواتبنا، انا وزوجتي الطبيبة، حيث نعمل في مستوصف!



واصل بحرقة: اطفالنا في المدارس، نود أن نوفر ما يكفل لنا حياة يومية أقل من الحياة الكريمة بقليل!



قلت له: لماذا لا يدفعون لكم؟

قال لي: المستوصفات تواجه مشكلة أمام تفعيل نظام التأمين الصحي، الذي أفاد المستشفيات الكبيرة، وأوشك على القضاء على المستوصفات الصغيرة، وأمام ضغوط مالية على الملاك، يتأخرون بشكل لا يوصف في دفع رواتبنا!



قلت: لم لا تشتكي على مكتب العمل؟!

أجاب: جئت لأسترزق، لا لأدخل في موال مشاكل مع الناس، ثم إن الإجراءات طويلة وستنتهي بعلاقة سلبية بيننا وبين صاحب المستوصف.



انتهى حديثي مع الطبيب، لكني سرحت بتفكيري وأنا أعتصر ألماً، فرغم خطورة تأخير دفع رواتب الناس، إنسانياً، ودينياً، وعملياً، إلا أن الوضع يصبح في حال تأخير دفع راتب طبيب أصعب وأخطر. فالجائع ليس في حالة طبيعية، والطبيب يقف على صحة الناس وأرواحهم، فأي أثر سلبي يمكن أن يتركه جوعه وألمه على عدم استلام راتبه لأشهر؟!



ألا يعتقد صاحب المستوصف، أنه بعمله هذا يضيف إلى قائمة الرذيلة التي تلتصق به، تعريض أرواح الناس للخطر، والمجازفة بحياتهم، واللعب بصحتهم.



لا أظن أن صاحب هذا المستوصف، يردعه حديث نبوي، وإلا فالنبي عليه السلام يقول: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".



لا يردع هذا المجرم، إلا سلطة الدولة. فأين وزارة الصحة، وأين مكتب العمل، وأين حقوق الإنسان عن هذا الاستهتار، بالعقود، وبالإنسانية، وبالصحة، وبالدين، وبكل قيمة في هذه الدنيا؟!



بآخر السطر، لا تستغربوا أن نصاب بفضائح الأخطاء الطبية، ونحن نجعل الطبيب في مهب ريح عدم استلامه راتبه ثمانية أشهر، وانتظروا الأسوأ مع شديد الأسف، إذا كان هذا حالنا.. وسلامتكم!


نقلاً لـ صحيفة "الرياض"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.