يوسف المحيميد

نشر في: آخر تحديث:
هل تتخيل عزيزي القارئ أن أحد المقاولين لديه مشاريع في ستمائة موقع في المملكة؟ وهل تتخيل أن المقاول المصنف في الدرجة الأولى الذي لا يستطيع تنفيذ مشروع تزيد قيمته على 250 مليوناً، يحظى لدينا، وبكل بساطة، بعقد قيمته مليار؟ بينما هذه المشاريع الضخمة يفترض أن يدخل فيها ائتلاف مقاولين كما يحدث في جميع دول العالم. وهل تتخيل أن المشاريع الحكومية الإنشائية المتعثرة أي التي تخلفت عن جدولها الزمني، وحسب تقرير صادر عن معهد الإدارة العامة، تزيد على 85 في المائة من مشاريع الدولة؟

وهل تتخيل عزيزي القارئ أن هذه المشاريع الضخمة تتنقل بين السماسرة، بالبيع والشراء والعمولة، إلى حد أن يتم تداولها أحياناً بين أكثر من خمسة وأربعين شخصاً؟ وهل تتخيل أن قيمة الخرسانة حسب إرساء العقد تبلغ ثمانية آلاف، وتباع في الباطن إلى آخر بقيمة ثمانمائة ريال فقط، وهو ثمنها الطبيعي؟

ولعل الكارثة الحقيقية عزيزي القارئ التي لا يمكنك تخيلها، ولا يمكنني أنا أيضاً أن أتخيلها، أن ذلك يحدث علناً، وأمام الخلق والجهات الرقابية المتنوعة، عبر إعلانات في الصحف الرسمية والمواقع الإلكترونية، فهل تتخيل ذلك؟ وهل لك، أو لي وجه، بعد ذلك أن نتحدث عن إهمال تنفيذ المشروعات، وتعثرها، ونلوم من نلوم؟ وهي التي تتلقفها أيدي السماسرة ومقاولو الجشع الذين لا يتوقفون أبداً عن المتاجرة بأحلامنا؟

وهل لنا وجه بعد ذلك أن نسأل لماذا مشروعاتنا تحمل أرقاماً فلكية، تفوق المشاريع ذاتها، وبالمواصفات ذاتها، في الدول الأخرى، بما يعادل ثماني مرات أو أكثر؟ خاصة إذا علمنا أن هناك من المقاولين الذين يأكلون من المال العام بغير حق، قبل أن يبيعوا المشروعات من الباطن إلى المقاولين الصغار؟.

هذه الأرقام التي أوردها المهندس سعود الدلبحي، المهندس الاستشاري المحكم، تجعلنا نشعر بالحسرة على فقدان جزء من ثمرة الطفرة الجديدة في البلاد، بين أيدي المقاولين الكبار، وبين أيدي السماسرة المتجولين الذين يحملون حقائبهم، ويسوِّقون المشروعات بين هؤلاء المقاولين، وبين مقاولين صغار من الباطن.

أظن أن تصنيف المقاولين بات قديماً، ولا يتوافق مع الطفرة الجديدة التي تعيشها البلاد، وكذلك فإن أداء الجهات الحكومية التي تشرف على مثل هذه المشروعات بات متواضعاً، خاصة ما يتعلق بأنظمة إرساء المشروعات الإنشائية، التي تحتاج إلى قرارات عاجلة لتطويرها بما يتلاءم مع ما يحدث من قفزة عمرانية كبيرة.

وأكاد أجزم أنه إذا لم تتخذ مثل هذه القرارات العاجلة، لتطوير الأداء الحكومي في تلك الجهات التي تمنح مثل هذه المشروعات الضخمة، ويهدر بسببها المال العام، فإننا سنتنبه بعد سنوات على فقدان ثروات طائلة، كان من الممكن استثمارها في صناديق استثمارية حكومية ضخمة، داخلية وخارجية، تضخ لنا أرباحاً سنوية، تكون عوناً لاقتصادنا فيما لو تعرض في المستقبل إلى هزة أو ضائقة ما.

نقلاً لـ صحيفة "الجزيرة"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.