مشاريع الجثث الهامدة

فهد السلمان

نشر في: آخر تحديث:
كلما دُقّ وتد مشروع تنموي جديد في حائل.. وضع الناس أيديهم على قلوبهم خشية أن يصطف في قائمة مشاريع الجثث الهامدة التي ما أضافت سوى حجز الأراضي ومنع استثمارها على الوجه الحقيقي، ابتداء من مشروع المستشفى التخصصي الذي لم يتخصص في شيء سوى في قدرته على الصمود بهياكله الخرسانية وساحاته المتربة أمام عاديات الزمن دون حراك، إلى جانب الفندق العتيد، ومشروع توسعة طريق الملك عبدالعزيز، والمدينة الاقتصادية، وأرض الدفاع، ومنحة أرض الحرس والتي أصبحت تسمى أرض هيئة التطوير، وغيرها من المشاريع المتعثرة، والتي لم تعد تقتصر على المشاريع التي تتولاها الوزارات وإنما تعدتها بفعل العدوى كما يبدو إلى مشاريع استثمار يقوم عليها مواطنون دون وجود أي مبرر مقنع لهذا التعثر، وكأن الأمر يتصل بفيروس مقيت يتربص بأي مشروع تنموي فيشلّه في مهده، فيما لا يُعرف سببه ولا يُرجى شفاؤه !



المشكلة ليست هنا.. ليستْ في التعثر الذي أصبح واقعاً يفتح الناس عليه أعينهم ويغمضونها كل يوم منذ أكثر من عشرين عاما، المشكلة في أنه لا أحد يُريد أن يخرج لهم ويشخّص علل هذه المشاريع، أو يتبنى أفكارا لفك طلاسمها، ما جعلها جزءاً من شخصية هذه المدينة، وسمة من أبرز سماتها، وهذا ما يزيد من تعقيد الحلول بفعل المعايشة معها كواقع لا مفر منه ولا مكان له على طاولة البحث الجاد .



هيئة التطوير اكتفتْ بملف الرالي وكأنه غاية المنى وغابت عن الأنظار، والأمانة تدّعي أن توزيع أرض الدفاع يخضع للجنة خارج نطاق سلطاتها، والصحة تقدم من حين لآخر معلومة لا تتسق موضوعيا مع سابقتها عن المستشفى، وتوسعة أهم طرق المدينة أفضت منذ عامين إلى اعتماد (150) مليونا فقط لا تكاد تغطي تكاليف الدراسة فضلا عن نزع ملكية عقار أو عقارين، والمستثمرون في المدينة الاقتصادية يبنون كل يوم بطوب الأوهام ناطحات السحاب الحالمة وقصور الرمل على شواطىء السراب ويهدمونها في اليوم التالي، وهكذا !! .



وتبعا لهذا المشهد الغريب أصبح من الواضح أن هذه الملفات على أهميتها لم تعد متاحة للتداول ولا للدراسة، ولا للبحث عن المخارج بعد أن وهبها طول المكث حصانة مانعة عن الحلول بحكم الألفة معها، وهذا ما يزيدها استعصاءً .



اليوم ونحن على مشارف إعلان الموازنة العامة للدولة والتي تعد بفوائض مالية ضخمة في متوالية الخير التي يقودها خادم الحرمين الشريفين متعه الله بالصحة والعافية .. ماذا فعل المسؤولون في المنطقة لفتح هذه الملفات التي دفنها تراكم الغبار أمام الجهات المعنية لمعالجة أسباب التعثر .. سواء أكانت تلك الأسباب أسبابا تمويلية أم تنظيمية أم إدارية ؟ خاصة وأنهم بالتأكيد يُدركون أنه إن لم تتم معالجتها في ظل هذه الوفورات المالية الكبيرة فلن يُكتب لها التعافي من أسقامها.. إلا إن كانوا مقتنعين بأن الزمن وحده هو الكفيل بحلها وإعادة الأمور فيها إلى نصابها لتقوم بدورها كمحفزات للنشاط الاقتصادي المأمول، فهذه أكبر المغالطات .. لأن الزمن لو كان يملك هذه الميزة، ويستطيع أن يقوم بدور المقاولين لفتح أبواب هذه المشاريع الهامدة منذ ربع قرن وربما أكثر !!


نقلاً لـ صحيفة "الرياض"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.