عاجل

البث المباشر

خلف الحربي

إعلامي سعودي

إعلامي سعودي

طابق رخام طابق أسمنت

بعد سنتين من العمل الدؤوب، نجحت الورشة العملاقة التي أقامتها أمانة جدة في تحويل جدة إلى جدتين!، جدة الأولى شوارعها فسيحة ومرصوفة وشبه خالية من الحفريات، بينما جدة الثانية ما زالت محاصرة ببحيرات الصرف الصحي وتعاني مختلف أنواع الإهمال، وهكذا حلت الأمانة مشكلة جدة على الطريقة الأصيلة، وهي تقسيم المشكلة نفسها إلى دورين: دور علوي يلمع الرخام في كل أطرافه، ودور سفلي ما زال يحتفظ بلون الأسمنت بانتظار من يصبغه!.

المسألة لا تتعلق بتطوير المدن فقط، بل تشمل مختلف مناحي الحياة، حيث يوجد عدد هائل من المواطنين الذين لا يشعرون بوجود أي مشكلة في القطاع الصحي؛ لأنهم ببساطة يملكون مفاتيح الدخول إلى المستشفيات الكبيرة، بينما يستهلك آخرون وقتهم في (حب الخشوم) والبحث عن (أهل الفزعات)؛ كي يحصلوا لمرضاهم على سرير في مستشفى حكومي يقدم أسوأ أنواع الرعاية الصحية.

أما في المطارات، فيجد الكثيرون متسعا من الوقت لقراءة الصحف ومتابعة أعمالهم عبر الإيميل قبل أن يتوجهوا إلى الطائرات عبر المكاتب التنفيذية تحفهم الابتسامات والدعوات الصادقة، فلا يشعرون إطلاقا بوجود ركاب آخرين عالقين أمام الكاونترات المزدحمة، ولا يمكنهم العثور على مكان معقول لالتقاط الأنفاس قبل السفر ليصحبوا أول مسافرين في العالم ينهكهم التعب قبل بداية الرحلة!.

وهكذا لو واصلنا ضرب الأمثلة، فإننا لن ننتهي، فحتى بحر الله الواسع تحول إلى بحرين، الأول ضيق ومزدحم بالناس وملوث بمصائب الشركات الكبرى، والآخر فسيح ونظيف ورماله ناعمة.. هل قلت حتى البحر؟.. بل حتى البر، هناك براري جميلة مسورة تستطيع أن تتحول في أرجائها إلى نمر بن عدوان، و(بريرات) مجهرية تتزاحم فيها العوائل وأماكن تأجير الدراجات النارية ومستلزمات البر.

لذلك، فإن أصحاب الطابق الرخامي لا يرون كل هذه الأخطاء التي يتحدث عنها سكان الطابق الأسمنتي، بل يعتبرون في ذلك مبالغة وتهويلا للأمور، والمضحك في الأمر أن سكان الطابق الرخامي لا يحتاجون أساسا إلى كل هذه الخدمات، فهم ــ ما شاء الله تبارك الله ــ قادرون على الحصول على أفضل شروط العيش الرغيد دون أدنى حاجة لكل هذه التسهيلات، بعكس سكان الطابق الأسمنتي الذين يعانون الأمرين من رداءة الخدمات.

على فكرة، نسيت أن أقول لكم بأن المبنى يحتوي على قبو مظلم يحلم سكانه المساكين بانتشالهم كي يسعدوا بحياة أهل الأسمنت!.



نقلاً لـ صحيفة "عكاظ"
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات