ليلتها الشورية الأولى

عبدالسلام اليمني

نشر في: آخر تحديث:
في ذلك المساء الذي شهد بداية حياة جديدة، حولت الدكتورة مريم منزلها إلى واحة تزهو بقدرتها الفائقة على التغيير لثقافة برلمانية غيرت مجرى حياتها العملية، وتوجت قصة كفاحها الطويلة في العلم والمعرفة وتربية الأبناء، إلى آفاق رحبة لخدمة وطنها، بعد أن وضعت نُصب عينيها أهداف محددة ستسعى من أجل تحقيقها.

طوقتها مشاعر مختلطة بين الغبطة والسرور والقلق وهي تستعد لاستقبال رصيدها الأول في الحياة على مأدبة عشاء الليلة الأخيرة، التي سيرى فيها الأبناء والدتهم قبل أن تصبح في اليوم التالي متوجةً بعد أداء القسم بالعضوية الشوروية الرسمية.

نهضت متوثبة لاستقبال إبنها الأستاذ الجامعي الدكتور حسام، وبعده وصل المهندس المدني طارق، وتبعهما محمد المتخصص في إدارة الأعمال والناشط في مجال التجارة، ثم حضرت غيداء التي لا تزال في المرحلة النهائية من دراستها الجامعية في العلوم الاجتماعية، واكتمل عقد الأسرة بحضور الأب المتقاعد من هموم القانون وشجونه.

لا أحد من أفراد الأسرة استطاع أن يُفسر ذلك الجو الرسمي الذي أحاط بهم وهم ينظرون إلى الترتيبات المنزلية بالغة الدقة، حتى كسر أبو حسام حاجز الرهبة البرلمانية التي أضفتها زوجته على المنزل، وقال بابتسامة تعلوا قسمات وجهه، لقد أصبح منزلنا منذ يوم الجمعة الماضية قاعة شوروية لمناقشة هموم والدتكم المعتصمة في كنف الجدّية، لكني أُطمئنكم أن والدتكم عادت شابة فتية.

تبسمت أم حسام في خجل بعد أن إستوعبت رسالة زوجها، ثم قالت: كيف السبيل، أنتم والوطن من يدفعني إلى التغيير، لن نستطيع أن ننعم بالحياة دون أمل ومواجهة الواقع، كنتُ أحملُ هم الأسرة والوظيفة، والآن هموم وطن، أثقل علىّ إرهاق الإحساس بالمسؤولية.

الساعة تجاوزت الثامنة مساءًا وإذا بصوت غيداء ينادي لتناول طعام العشاء، أقبل الجميع على طاولة الطعام الذي بذلت في إعداده الدكتورة مريم جهد يوم كامل، ورائحة ذكريات التربية والمنزل الدافئ حاضرة في أذهان الجميع؛ كثيراً ما كان الأبناء يترددون على منزل الوالدين، لكن ذلك المساء مختلف في كل شيء، هكذا كانت المشاعر، ولذة الطعام طوقت اللحظات بحالة صمت تخللها أحاديث قصيرة تُمجّد أنواع الطعام، مع دعاء لربة المنزل بالصحة وطول العمر.

في صالون المنزل وعلى قرقعة أكواب الشاي، تربع أبو حسام على كرسيه الوثير، وجلست على يمينه زوجة المحبة والمودة ، جلس الأبناء في الجهة المقابلة، ثم سأل أبو حسام عن أصداء التعيينات الجديدة في مجلس الشورى، وجاءت إجابات الأبناء معلقةً بين الأمل والرجاء، وطموحات تفوق ما تحقق في مرحلة شورية ماضية محصورة في الإستئناس وطلب الرأي والمشورة.

قفز الأستاذ الجامعي الدكتور حسام بالسؤال لوالدته عن ترتيبات أجندتها اليومية بعد دخول الأيام الشورية لحياتها العملية؟ فقالت: الصورة لم تبدو لي كاملة الوضوح حتى الآن، المؤكد أنني سأترك وظيفتي كطبيبة، فلو تم إختياري لعضوية إحدى اللجان سأكون مشغولة خمسة أيام في الأسبوع بمجلس الشورى ومتابعة أعماله وملفاته، وأنا لا أحب الحياة العملية المرتبكة، نصف هنا ونصف هناك.

عَلّق المهندس طارق على حديث والدته، يعني الوطن خسرك كطبيبة!.

أجابت على وجه السرعة، الأمور يا إبني لا تُحسب بهذه الطريقة، ربما أُحدث تغييراً إيجابياً في تعديل تطبيق الإستراتيجية الصحية المرتبكة، وموافقتي على الترشيح لعضوية مجلس الشورى جاءت بعد نقاش طويل مع والدكم رجل القانون صعب المراس، وكما قلت له لإقناعه بالموافقة، إنني أحمل العلم في المجال الطبي، وتجربة عملية قاسية في التطبيق ولديّ القدرة على تشخيص أدق تفاصيل معاناتنا، وسأحمل معي تجربة الرعاية الصحية الكندية التي درستُ فيها وطبقت في مستشفياتها وسأحاول الإقناع بتبنيها.

تدخّل أبو حسام؛ لا بد أن تذكرين أنني قلت لك إن وزير الصحة الحالي درس الطب في كندا وعمل في مستشفياتها، وقام بزيارتها عدة مرات، ويحفظ نظامها وتأمينها الصحي عن ظهر قلب، وكان قبل أن يُصبح وزيراً يتمنى تطبيقه في السعودية على حد علمي، وبعد توليه الوزارة دخل مدرسة خصوصية الإدارة السعودية، ومات الحلم يا زوجتي العزيزة، وأرجو ألا تُحلق بك الأحلام لأنك ستتحولين إلى ذات المدرسة بعد نهاية الدورة الشورية الأولى!.

بسرعة دخل محمد في النقاش بصوت مرتفع وقال: يا أماه الوطن يواجه تحديات كبيرة، في الصحة والتعليم ونمو أعداد العاطلين عن العمل، وزيادة مضطردة في استهلاك الوقود والفساد وتعثر تنفيذ المشاريع، وبطء تطوير الأداء الحكومي لتطبيق أفضل ممارسات الخدمات الحكومية، ولن يكون بوسع مجلس الشورى أن يفعل شيئاً وهو لا يزال يدور في معادلة (2 – 2)؟!.

طلبت والدته تفسيراً للمعادلة؟، فقال: تأسس مجلس الشورى كياناً واقعاً، ودخول المرأة لتُشكل 20 في المائة من تكوين المجلس، وهاتان خطوتان في الإتجاه الصحيح، ولكن المجلس يبقى صورياً إذا لم يُعطي إثنتين، صلاحيات المشاركة الفاعلة في وضع التشريعات والسياسات والموازنات العامة للدولة، وصلاحية محاسبة الوزراء وكبار المسؤولين عن أداء الوزارات والهيئات الحكومية، ويكون للتقويم دور في حجب الثقة عنهم؛ إذن نحن أمام معادلة مختلة تحتاج إلى تدخل إصلاحي.

إستأذن الدكتور حسام بالحديث وقال: جامعة الملك سعود التي أنا عضو هيئة التدريس فيها أرهقتها قرارات الإنتدابات الإدارية، كل عام هي في شأن، فبعد الحماسة وصخب الكراسي، وأحلام السيارات، ورخاء الإنفاق على البحوث والحملات الإعلامية، عادت إلى عهد الإنكفاء القديم، (اللي يجيك منه الريح سده واستريح)، هكذا تبدو حالنا، حتى أوقاف الجامعة شرعت وزارة المالية في الإستحواذ عليها؛ فهل باستطاعة مجلس الشورى المبادرة بمناقشة موضوع استقلال الجامعات وإعادة هيكلتها من خلال مجلس أمناء يديرها، وإدارة تنفيذية تتشكل من رحمها دون تدخلات وانتدابات أو إنقلابات إدارية؟!.

نظر أبو حسام في عيني زوجته، وحسم الأمر بعد إحساسه بحجم الرهبة والمعاناة، وقال موجهاً الحديث لأبنائه، تحدثوا بتفاؤل قبل أن تقوم والدتكم وتحرر خطاب الإستقالة وهي لا تزال تحتفل بليلتها الشوروية الأولى.



عبد السلام بن عبد العزيز اليمني

AAlyemni@yahoo.com
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.