عاجل

البث المباشر

هيئة "الضمير"

لا يكاد يخلو مجلس في جدة إلا وتتربع على مائدته معاناة الأهالي مع حفر الشوارع والزحام، وباتت هي الوجبة الرئيسية التي تقلق السكان ومرتادي عروس البحر الأحمر، وما يزيد الطين بلة طفوحات الصرف الصحي اليومية التي حولت بعض الشوارع إلى مستنقعات.

في داخل تلك المجالس تحول الحاضرون وبعض المنظرين إلى خبراء وكل واحد منهم يدلو بدلوه، لدرجة أن أحدهم يقترح الحل في تلفريك معلق، وآخر لا يرى من الضروري تنقل كل أفراد الأسرة بسياراتهم، واصفا ذلك بالسبب الرئيسي في مشكلة الزحام وأنها «أبلشت» السكان في إيجاد المواقف لها، وكم تمنيت أن معالي أمين جدة أو مدير مرور المحافظة في تلك المناسبة، ليصدما بواقع الخطط والطموحات لدى البعض، ولربما يغيران استراتيجات المشاريع وحركة النقل في جدة، وتناسى البعض منهم أن لدى كل فرد من أسرته سيارة بمن فيهم السائق الخاص والعام ويتوقع في المستقبل القريب سائق للشغالة.

صحيح أن الأمانة لا تملك عصا سحرية لحل مشكلة الزحام إلا بعد انتهاء المشاريع، ولا أعتقد أن تلك المشاكل التي تطرأ في شوارع وأحياء جدة قد استعصت على الحل، بل إن هناك جهودا تبذل بين الفينة والأخرى لاحتواء أزمات شوارع وحفر جدة وما يترتب عليها من زحام وإعطاب للمركبات.

ولو نظرنا لبعض الدول لوجدنا أن ثمة مشاريع تنفذ ووتيرة العمل مستمرة ليلا ونهارا، وتنجز في فترات قصيرة، وكان الأحرى بالمسؤولين الاستفادة من تجارب الآخرين، لكن مشكلة المشاريع لدينا أنه تتم ترسيتها على مقاول يرسيها من الباطن على مقاول يقتطع الجزء الأكبر من المناقصة لنفسه دون أن تسيل من جبينه قطرة عرق واحدة، يرسيها بدوره على مقاول بعد اقتطاع الجزء الأكبر من كعكة المشروع المتبقية لنفسه، يرسيها الأخير بدوره على آخر بفتات ما خصص للمشروع أصلا، فينفذ برداءة ومواد رخيصة وصيانة معدومة، ناهيك عن أنه تحدد لهم مدد التنفيذ في فترات زمنية تصل إلى ثلاث أو أربع سنوات، ويضاف لها فترات التعثر، وناهيك عن الأخطاء التي ترتكب أثناء التنفيذ مستغلة غياب المحاسبة الصارمة.

ولعلي أستشهد برحلة عمل في جوانزو جنوب الصين قبل عامين، حينها ذهلت بأن المدينة التي كانت في السابق مخصصة للمعارض، تحولت في فترة وجيزة إلى مدينة تجمع بين الصناعة والسياحة وأضحت محط أنظار العالم، يقصدها السياح من كل مكان، بعد سلسلة من المشاريع العملاقة التي تتصف بالجودة في التنفيذ والدقة في المواعيد بعيدا عن سياسة الترقيع والحفر والدفن.

إن الفرق في المشاريع «بين ما عندنا وما عندهم»، أن الشارع ينتهك حفرا وترقيعا في الشهر الواحد أكثر من مرة، بينما مشاريعهم تتم جميعها في خندق واحد يتضمن كامل الخدمات، ولا أعتقد أن لديهم هيئة مستقلة لمكافحة الفساد أو لجان تنسيق مشاريع أو هندسة مرورية بل أجزم أنها هيئات ومؤسسات يترأسها الضمير الحي الذي يحمل على عاتقه هم النهضة ورؤية الوصول إلى مصاف الدول الرائدة، إذا ما علمنا أن الوطن يزخر بكفاءات فذة ومؤهلة.

*نقلاً عن "عكاظ" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات