«حرائر بريدة»

فهد إبراهيم الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

ظهرت في المملكة أخيراً، وعبر عدد من المواقع الإلكترونية، نداءات مرتبة ومنسقة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين في قضايا أمن الوطن... اشتغل كثيرون في «فيسبوك» و«تويتر» على محاولة بناء وتصوير حال من عدم الاستقرار، بسبب خروج بعض أقارب الموقوفين على شكل جماعات، وتمركزهم إما حول محيط وزارة الداخلية، أو كما حدث قبل أسبوع في القصيم، وأمام مبنى التحقيق والإدعاء العام. بقيت في حيرة من أمري حول ما أقرأه مقارنة بالواقع على الأرض... فالواقع يشير إلى بضع نساء حضرن إلى الداخلية، أو إلى مكتب الادعاء العام في القصيم، وليس كما تصوره وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض القنوات الإخبارية، لكن هذه الحيرة لم تدم طويلاً، إذ وفي اللحظة التي لجأ إليها منظمو هذه التجمعات إلى استخدام مفردة «حرائر»، والشك يحيط بي حول حقيقة ما يحدث، ذلك أننا في المملكة لا نستخدم في الأساس مفردة «حرائر» للإشارة إلى النساء، ولهذا فمسمى «حرائر بريدة» الذي حاول البعض الترويج له كـ«علامة تجارية» للنضال أتى من الخارج بلا شك. ثم حدث ما يؤكد ما ذهبت إليه عندما صرح أحد المتحدثين «المعارضين» من لندن، عبر قناته «الهالكة»، عن دعمه لهذا التجمع من خلال توجيه النصح للمشاركين، لكنه ذهب من فرط ذكائه إلى أبعد من ذلك، عندما افترض صعوبة الوضع على الجهات الأمنية السعودية، بمعنى أنه إذا وجد النساء في هذا الاعتصام، على حد قوله، فإن رجال الأمن لن يمسوهن بأذى، ولن يقترب منهن أحد، ويبدو أن النساء صدقن هذه القصة مع الأسف.
المنعطف الآخر الذي يكشف الحقيقة وراء هذه التجمعات هو حمل بعض هؤلاء النسوة للافتة كُتب عليها عبارات تطالب بإطلاق سراح العضوة المدانة في تنظيم القاعدة هيلة القصير... على أن قاصمة الظهر، بالنسبة لهذا التنظيم الركيك في القصيم، أتت من أحد المنتسبين لتنظيم القاعدة نفسه في اليمن، الذي صرح بأن على المعتصمين والمعتصمات اللجوء للسلاح لإخراج المعتقلين، هنا تهاوى البناء ووقع.
أرجو ألا يفهم أحد من قراءة هذا الموضوع أنني مع التعسف والاعتقال... بكل تأكيد لا يوجد مواطن سعودي، بمن فيهم رجال الأمن أنفسهم، يؤيد ذلك بالمطلق العام، والدليل على ذلك أن عمر هذه البلاد يمتد إلى قرون عدة ولم نسمع أو نقرأ أن حكومتنا نزاعة إلى القمع وملء السجون بكل من ينتقد أو يطالب بشيء، بل إن السجون في المملكة وإلى وقت قريب لم تكن بالمساحة الكافية لفعل ذلك، على أن الذي يجب أن نتفق عليه جميعاً كمواطنين هو أن الأمن في المملكة يعتبر خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه أو اللعب حوله، سواء كانت الأداة رجلاً أو امرأة.
عن واقع ما حدث قال اللواء منصور التركي في المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء الخميس الماضي في الرياض: «هناك من يسعى لاستغلال كل فرصة لزعزعة الثقة بين رجال الأمن والمواطنين، ومتى ما بدأ المواطن يفقد الثقة في رجال الأمن، فهي بالتأكيد الخطوة الأولى للفوضى، ونحن سنضرب بيد من حديد وبقوة القانون كل من يحاول زعزعة أمن هذا البلد»... اللواء يشير إلى ما حدث في «بريدة»، وما حدث قبلها في «القطيف» في أوقات متقطعة، تجمع ومحاولة اعتصام للمطالبة بإطلاق سراح من تعتقلهم الحكومة في قضايا أمنية حساسة.
أشار اللواء أيضاً في ذلك المؤتمر إلى أن هناك أسباباً لتأخير محاكمة المعتقلين ذوي العلاقة بالإرهاب، وفي بداية فترة المواجهة معهم، يكمن أحدها في النقص الواضح في عدد القضاة مقارنة بأعداد المتهمين، كما أنه وفي قضايا الأمن يغيب عن الكثيرين منا تشابك هذه القضايا، خصوصاً عندما يتأخر القبض على بعض العناصر التي تشترك بها، لذا فمحاكمة عنصر في غياب عناصر أخرى قد لا تأتي بثمارها، ونحن هنا نتحدث عن محاكمات متصلة بقضايا أمن الدولة وليست جريمة عادية.
أختتم بالقول إن على أجهزة الأمن مسؤولية كبرى في المحافظة على الاستقرار... هناك من لام وزارة الداخلية قبل بضع سنوات على استعجالها بالإفراج عن بعض الموقوفين، ظناً منها أنهم عادوا إلى جادة الصواب والحق، وما هي إلا بضعة أيام حتى شاهدنا هؤلاء الطلقاء ينضمون مجدداً إلى تنظيمهم، ويهددون الوطن من جديد... ومع تمنياتي أن نتمكن من إغلاق هذا الملف الدخيل علينا، الذي فرضته الظروف الخارجة عن إرادتنا، إلا أننا نكرر مطالبنا لكل أجهزة الدولة الأمنية وغيرها، الحرص على المحافظة على المكتسبات العظيمة التي ينعم بها المواطن والمقيم في هذا البلد الطيب المبارك مهما بلغت التضحيات.


*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.