الفرق بين نويصر وجون

ندى الطاسان

نشر في: آخر تحديث:

يبدو وكأن العنوان أطول من المقال، والعنوان مستوحى من صفحة التسالي في مجلات وجرائد زمن قديم التي تطلب منك البحث عن الفروقات بين صورتين أو مشهدين. لذلك سنبدأ ب "جون" الذي كان أحد فنيي المعمل في تلك المدينة البعيدة حيث كنت أدرس الدكتوراه، "جون" لا يحب الحضور مبكرا للمعمل، ففي حين يحضر زملاؤه في التاسعة صباحا، يبدأ يومه في الحادية عشرة قبل الظهر، هو ذكي جدا، ويعرف كيف يستغل وقته، ومنظم ودقيق في عمله، "لجون" مميزات كثيرة، منها حماسه في العمل، وقدرته على تعلم الجديد، وتفوقه في الاستخدامات الكومبيوترية لتحليل النتائج.

رئيس "جون" لا يشغل نفسه بمواعيد الحضور أو بساعات الغداء أو بوقت القهوة المقتطع من ساعات الدوام، يستقبل أفراد مجموعته البحثية بابتسامة ليراجع معهم عملهم الأسبوعي، ويخطط معهم لمهام الأسبوع القادم.. يتوقف أمام تجربة فشلت أو نتائج غريبة، نقاشاتهم علمية لا علاقة لها بالزي ولا بالدوام ولا بساعات شرب القهوة. "جون" المتأخر دائما لا يثير غيرة أو حقد زملائه، لأنه يضطر أحيانا للبقاء حتى ساعة متأخرة من الليل أو الحضور في إجازة نهاية الاسبوع حتى لا يتراكم عمله. كما أنه لا يحظى بمعاملة استثنائية حين يتعلق الأمر بترقية أو نشر بحث أو سفر لمؤتمر، ببساطة إنتاجية "جون" وزملائه هي التي تحدد كل هذه الأمور. فزميله "مايكل" مثلا يحظى بعائد مادي أكبر وبفرص نشر بحثية أكثر لأنه يعمل وينتج أكثر. "جون" لا يصنف بأنه موظف كسول، بل هو جزء فعال من مجموعة ديناميكية وشخص منتج وإنتاجيته لا تتحدد بموعد حضوره صباحا وكذلك فرص ترقيته أو فرص زيادة راتبه.

" كلّ من "جون ومايكل" يعرفان حقوقهما كموظفين قبل أن يعرفا واجباتهما.

ماذا لو كان "جون" يدعى "نويصر"؟، لننظر لمشهد نويصر اليومي، الذي يبدأ بالحضور قبل الساعة الثامنة ليوقع أو يبصم إلكترونيا حسب مدى تطور المؤسسة التي يعمل بها، ثم يمضي يومه ينتظر ساعة الغداء كي يهرب ويتنفس أو يسرق دقائق من هنا وهناك كي "يدخن سيجارة" في مواقف السيارات، وينتظر ساعة الخروج بفارغ الصبر كي يوقع أو يبصم.

لم أحدثكم عن الانتاجية، لأنه لا "نويصر" ولا الصرح الذي يعمل به يهتمان بها، فلو كان يهتم بها لما تحايل هو وزملاؤه الموظفون على نظام الحضور والانصراف بالتوقيع ثم التسلل لقضاء الحاجيات الشخصية، ولما جلسوا ينتظرون الزيادة السنوية أو الترقية التي يتساوى فيها المنتج وغير المنتج والتي تتحدد بمدى قرابتك من المدير!

في المقابل "صالح" موظف مجتهد، يحب عمله، يتعلم بسرعة، ليس كسولا، يهتم بالانتاجية والجودة، لكنه حتما وفي يوم ما لن يصمد أمام مؤسسة أو صرح تهتم بتوقيعك أو بصمتك قبل أن تقيّم إنتاجيتك وجودة أدائك في العمل، سيفقد في يوم مدى اهتمامه بالعمل أو حتى انتمائه للمكان، خاصة حين يجد نفسه ونويصر متساويين في سلم التقييم الوظيفي، وحين يفتح إيميله ليجد رسالة من شؤون الموظفين ترفض إجازته المرضية ليوم واحد وتريد توقيع شاهديْ إثبات وتصديقاً من العمدة وتوقيعاً من رئيس جمعية الأطباء بلاحدود رغم موافقة الرئيس المباشر بسبب بيروقراطية تزداد سخفا وسماجة .

هل عرفتم الفرق بين نويصر وجون؟

الفريق بينهما، الرؤية للمؤسسة التي يعملان فيها مختلفة، لذلك فإن نويصر سيصبح "جون" هناك، و"جون" سيتحول لنويصر هنا! فالمؤسسة التي تنشغل بوقت الحضور والانصراف ونوعية الزي والتصديق على الشهادة المرضية سيزدهر فيها نويصر وأمثاله.

وبيني وبينكم ترتسم على وجهي ابتسامة وأنا أشاهد طابور الموظفين الذين يثبتون الوجود كل صباح بتوقيع أو بصمة ثم يختفون ويتبخرون، كل منهم ينهي شؤونه الخاصة ويهمل عمله ويحصل على حضور كامل آخر الشهر يضمن راتبه وترقيته واستقراره !

أما عن الفرق بين "حصة" و"لويز" فسأتركه لخيالكم، وأذكركم أنكم لا تحتاجون للخيال فالواقع أحيانا يصعب تصديقه!

*نقلاً عن صحيفة "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.