«سوفلييه الجراد»

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

تحدث البعض تلفزيونياً وفي الإعلام الاجتماعي عن ظاهرة صيد وبيع وأكل الجراد، وأسعاره المبالغ فيها، والمعتقدات التي تدور حول علاجه لكثير من الأمراض، وبعض الأفكار عن كونه منشط لمن يرومون ترميم وإصلاح ما أفسده الدهر.

لو حاولت أن أبسط الموضوع لقلت كان الجراد في الماضي يأتي على محاصيل الناس، وبدلاً من الموت جوعاً أكلوه، ومن يأكلونه الآن متعلقون بالماضي ليس إلا، يرومون صحة أولئك.. وأولئك كانت صحتهم من خواء بطونهم من قلة الطعام، ونقاء طبيعتهم من قلة الملوثات، أما هؤلاء فسائرون دائمون وراء.. الوهم، ولو قللوا من الطعام وعاشوا في أجواء نقية لا مكاتب فيها ولا طرقات مزدحمة، لتحسنت صحتهم كثيراً، وربما، أقول ربما عاودهم نشاط يحلمون به.

بحثت قليلاً، وقرأت نقاشات وسجالات حول الموضوع، فوجدته لا يعدو كونه عادة، محورها الأساسي إثبات الاختلاف، القوة، وربما القدرة على التعايش مع البيئة، أي أنه لا يختلف كثيراً عن أكل الضب مثلاً، وكلاهما حلال في ديننا، لكن بعض الأنفس تأنف منه، كما فعل سيد الخلق وخاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام مع لحم الضب.

أتوقع أن الفكرة التي لا تعلن كثيراً، أن كثيراً من هذه الأشياء يعتقد فيها ما يعتقد في العقاقير الجنسية، وهذا مبحث علمي بحت، لكن من أكلوا هذه الأشياء في الماضي أكلوها وقد اقتاتت على نباتات طبيعية، أما جراد اليوم فمعظم ما يأكله ليس كذلك، فيه ملوثات كثيرة، فربما يعالج مرضاً ويجلب مرضين أو ثلاثة، ومثله الضب الذي يصاد بوسائل تجعله ساماً، خصوصاً إذا استخدمت عوادم السيارات في خنقه وإخراجه من جحره.

الحشرات تؤكل في كل مكان في العالم تقريباً، فبحسب منظمة الزراعة والأغذية هناك أكثر من 1700 نوع من الحشرات المعروفة، تؤكل في 113 بلداً حول العالم، لكن معظم الناس هناك يأكلونها لقلة ما يجدون من مصادر البروتين، لقلة ذات اليد، ثم لتوافرها في محيطهم الطبيعي بكميات تجعلها رخيصة الثمن، ثم هي من قبل ذلك أصبحت جزءاً من موروثهم الشعبي، أو سلوكهم الغذائي المتوارث إن صح الوصف.

يدافع من يأكلون الجراد عن أفكارهم بحماسة، ويجدون صعوبة في إقناع من حولهم أن يشاركوهم متعة الماضي الذي يتجدد كما يقولون في الظاهر، ومتعة التجدد الجسماني كما يمنون أنفسهم في المخيلة التي لا يتحدثون عنها، وهم كما تبدو ملامح من حولهم لم ينجحوا في ذلك، فعليهم تغيير الاستراتيجية بأن يقوموا باستقدام «شيف» خاص، إذا لم يكونوا في النطاق الأحمر لوزارة العمل، ليبتكر لهم أطباقاً بمسميات جاذبة وناعمة ومغرية مثل «سوفلييه الجراد»، و«ساتييه الجراد».



*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.