«وناسة» و «عِرْس»!

ثريا الشهري

نشر في: آخر تحديث:

العمر طويل بالتدبير، قصير بالتبذير، وإن الإنسان لينشغل في حياته بسفاسف الأمور أكثر مما ينفقها في الأمور الجادة والأهداف الموجّهة، وإلا لوجدتَ عامة الناس في مصاف المنجزين والمتفوقين في أعمالهم وسير حياتهم. ولن أخصّ بحديثي اليوم غير السعوديين، على اعتباري واحدة منهم، وأخبر بأحوالهم، وعليه أقول: لن يصيب السعوديين في مقتل، رجالاً ونساء، إلا شيئان لا ثالث لهما: «الوناسة» بالنسبة إلى الشق الذكوري، و «الزواج» في ما يخص القسم الأنثوي، فمتعة حياة الرجل السعودي أن يتمتع بوناسته أكبر قدر ممكن من ساعات اليوم، خصوصاً عند غياب قرص الشمس، فزخارف الحياة وبدائعها وذخائرها هي في الاجتماع مع المعارف في إحدى الاستراحات أو القهاوي وقطع الوقت أمام الشاشات، ولا فرق إن كانت لتلفاز أو جهاز حاسوب أو جوال، وهو شيء حسن لو كانت فيه مناقشة الجديد مما يفيد المتحدِّث في مجال عمله وحياته، ولكن السعودي يعتبر أن «شوية» الساعات التي قضاها في عمله، التي لم يعمل فيها فعلياً إلا ثلث الثلث، تكفي مؤونته لآخر النهار ولا داعي لإرهاق عقله بأكثر من الوناسة على «طريقته»، وما أدراك ما طريقته! يقضيها على مدار الأسبوع كله، وبخاصة يومي الإجازة الأسبوعية، أو فرصة الراحة من الراحة.

فإذا انتقلنا إلى الجنس الأنثوي، فلا يشغل صويحباته موضوعٌ قدرَ الأعراس ومستلزماتها: من تزوجت! ومن حضرت! ومن تقلّدت بالمجوهرات! ومن ومن... فلا تكون خاتمة الأسبوع شيئاً يذكر إن لم تبلغ منتهاها في حفلة زواج، أو طقطقة غناء وطرب، أو حتى اجتماع نسواني في أحد البيوت للحديث بعضهن عن بعض، وكله يصب في بوتقة الوناسة طبعاً.

يقول محمد المويلحي: «رئيس الطب أبقراط يقول: الحياة قصيرة والفن طويل. ورئيس الحكماء أرسطو يشكو الطبيعة، لتفضيلها بعض الحيوان على الإنسان بطول العمر، كالحوت والفيل والغراب والببغاء، تعيش قروناً بينما الإنسان الذي هو سيدها ومولاها لا يكاد يبلغ القرن إلا نادراً، والحقيقة أن نصيبنا ومقسومنا من الزمن ليس بقليل، وإنما إسرافنا فيه جعله موصوفاً عندنا بالقلة. والحياة في الواقع مديدة، تكفي للقيام بالأعمال العظيمة لو استعمل الإنسان أوقاته في ما ينبغي، على ما ينبغي، أمّا إن أضاعها في الملاذ والشهوات والكسل عن العمل، أو النزاع والخصام والصراع والضرب من دون النافع من الأمور، فستأتيه الساعة الأخيرة على عجل، فإذا بالحياة التي لم يُحِسَّ سيرها قد أحس مضيَّها».

ولي ذكرى في هذا الخصوص مع معاملة مصرفية كنت أنهيها، فإذا بوافد عربي يُودع أمامي مبلغاً من المال لا يستهان به، وكأن الموظف أحس بعبء الموقف عليه من حيث لا أدري، فتلفظ من تلقاء نفسه وقال: «وهل تتوقعين أن جمع مثل ذلك المبلغ يعنيني، ولكن ليس لدي استعداد أن «أفرّها» من الصبح إلى المساء كي أحصّله»، ولأن تعليقه كان مستفزاً ويا ليته صمت، فقد وجدتني أسأل: وما المانع أن يفرّها؟ والقصد أن يتحرك كما النحلة، فكان الجواب الذي تحتاج معه إلى إعادة تأهيل قائلاً: ومتى أعيش حياتي؟

غريب مفهومنا للعيش! وكأنه لا يكون إلا بضياع العمر في ما لا طائل منه! وكأننا لا نحيا سوى بجزء يسير من أعمارنا! وما بقي من سنينا لا يسمى حياة، بل مجرد وقت يمضي وأيام تمرّ.

ولا تظنّنَّ أن تبديد العمر هو من شأن العوام وحدهم، بحاجاتهم المحصورة وضروراتهم الممنوعة وجهلهم بما هو أرقى وأعلى، بل تعداه إلى الخاصة أيضاً، حتى أن تضييعه بينهم أعمُّ وأوسع. ولو تأملتَ أحوال من يُطلق عليهم الأثرياء لوجدت أعمارهم أعظم تبذيراً، لاتساع دائرة أشغالهم، وانفراج زاوية أوهامهم، وتحرّرهم من عبء تكاليف المعيشة وفواتيرها، فلا تدري أهم مقبلون على الدنيا أم مدبرون، يدفعهم التحاسد والتباغض والتباهي والتباري، بعيدون من السعادة بُعدَهم من الحكمة في تصريف أعمارهم. على أن أهم ما يجب أن يعيه كل من ضيّع عمره في ما لا طائل منه، أن السنوات التي نقصت من عمره قد حلت محلها سنوات إضافية من قلة القيمة! سنوات تُرحَّل إلى محبيه وأولئك المسؤول عنهم، فيحملون عبئها مع أعبائهم.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.