أما آن الآوان لإنصاف العاملين الأجانب ؟

خالد المعينا

نشر في: آخر تحديث:

لفت نظري موضوع نشرته صحيفة "الحياة" يقول إن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان قد وقعت اتفاقيات مع عدد من شركات الاستقدام في المملكة لمتابعة حالات الخادمات اللاتي يحرمن من مرتباتهن الشهرية وحتى منعهن الحديث عبر الهاتف مع الأهل والأقارب في بلادهن وغير ذلك من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان.
وتوقيع هذه الاتفاقيات التي جاءت على لسان رئيس الجمعية الدكتور مفلح القحطاني، هي خطوة مباركة تعطي إشارة واضحة على حرص المجتمع السعودي وعزمه على ألا تستمر مثل هذه الانتهاكات.
وفي الواقع فإنه ليست بلادنا وحدها المتهمة بانتهاك حقوق الخادمات وعمال المنازل وإنما دول الخليج كلها تتعرض لهذا الاتهام وقد ركزت وسائل الإعلام العالمية بشكل خاص على موضوع انتهاكات حقوق الإنسان في دول مجلس التعاون الخليجي. وتحدثت وسائل الإعلام الأجنبية عن أعمال العنف والضرب والتعذيب النفسي والبدني ضد الخادمات القادمات إلى بلاد الغربة من بلادهن البعيدة ليعملن وسط مجتمع غريب اللغة والعادات والتقاليد بالنسبة لهن.
وفي حقيقة الأمر فإن شركات الاستقدام في بلاد العمالة الأجنبية قد ساهمت إلى حد كبير في خلق هذه المشكلة فهي لا تقدم المعلومات الصحيحة عن العمالة المستوردة فكم من طبيب أو محاسب وجد نفسه مستقدما على وظيفة راع للجمال أو الأغنام في مناطق نائية.
وبينما أرحب بخطوة الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان فإنني أناشد وزير العمل المهندس عادل فقيه أن يتعاون تعاوناً كاملاً مع الجمعية وأن ينظر بعين العطف والاعتبار للكثيرين من العمال الأجانب العالقين في بلادنا لعدة أسباب منها غياب التطبيق الكامل للأنظمة والقوانين وبطء الإجراءات الروتينية وعدم تقديم المشورة القانونية الصحيحة للعامل الأجنبـي. وخلال عدد من السنوات ظللت أقرأ واستمع لقصص مأساوية عن مصير هؤلاء الناس البسطاء.
ورغم أن نظام نطاقات يوفر مرونة كبيرة لتنقل العمالة من الشركات الواقعة في النطاق الأحمر (وهي الشركات التي لم تلتزم بعملية السعودة) إلى الشركات الواقعة في النطاق الأخضر (وهي الشركات التي التزمت بالسعودة) فإن كثيراً من الشركات والمؤسسات لم تسمح لهم بذلك. وقد سمعت أن إحدى الشركات طلبت من أحد موظفيها التنازل عن كامل حقوقه لما بعد الخدمة لكي توافق على إعطائه تنازلاً.
والشركات الواقعة في النطاق الأحمر تحرم من كل الخدمات التي تقدمها وزارة العمل مثل تجديد التراخيص والإقامات مما يزيد من معاناة العاملين الأجانب. أما الشركات الصغيرة فهي تطلب الجلد والسقط من العامل الأجنبي حتى تعطيه تنازلاً لينقل كفالته على جهة أخرى.
والحرمان من خدمات وزارة العمل الذي يتضمن عدم تجديد الإقامة يدخل العامل الأجنبي في دوامة لا تنتهي من المشاكل فهو لا يستطيع استخدام حسابه المصرفي كما لا يستطيع تجديد رخص القيادة أو تسجيل أبنائه في المدارس. وهذا الأمر بالطبع يصيبه بالإحباط ويسبب له الاكتئاب النفسي.
وبينما أدعم بقوة حق المواطنين في الحصول على وظائف في بلادهم، لكني لا أرى أن يقتصر هذا التوظيف على الدوائر الحكومية أو شركات القطاع الخاص الكبرى حيث نجد الأمثلة الحية في الدول المتقدمة في هذا القرن وهي تمكين الشباب من تأسيس أعمالهم الخاصة وتوظيفهم في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمويل مشروعاتهم وتطوير قدراتهم المهنية والاقتصادية والتجارية وغيرها.
وعودة إلى موضوع العمالة الأجنبية فلننظر بعمق في مسألة عدم دفع مرتباتهم أو تأخيرها وتغيير عقودهم بأخرى جديدة غير التي جاءوا بها ومصادرة جوازات سفرهم وغير ذلك من أعمال تعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوقهم الإنسانية. ونسأل كيف يمكن تغيير هذا الواقع؟
وبينما نطلب من العمالة الأجنبية التي انتهت عقود عملها أو أُلغيت مغادرة البلاد والعودة إلى ديارهم، فإننا نواصل استيراد القوى العاملة من الخارج. وإذا تم تطبيق برنامج نطاقات بصورة سليمة فهو قد يضع حداً لكثير من معاناة هؤلاء العمال. ولا يجب أن يقتصر تطبيق البرنامج على مستوى العمالة اليدوية بل يمتد ليشمل الوظائف الكبرى وعندها سينتهي بنا الحال عند أرقام كبيرة من المجموعات غير المستقرة أما الإدعاء بأن المحاكم العمالية كفيلة بتسوية مشاكل العمال فهذا قول فيه نظر حيث تقف في وجه هؤلاء العمال ركامات من الإجراءات البيروقراطية وحواجز اللغة والسلوك غير المهني إن لم أقل عدم الاحترام. هذا الوضع يقود إلى اليأس وفقدان الأمل ومعه تظهر مجموعة من الانتهازيين الذين يستغلون أوضاع العمال الأجانب ليجنوا ثروات طائلة.
إنني من هنا أناشد بإنهاء معاناة العمال الأجانب وتسوية أوضاعهم بما يصون حقهم في الكرامة والعيش النبيل كما أدعو إلى تدريب القضاة على الآليات الخاصة بالقضايا العمالية حتى لا يكون لدينا مظلوم أو مغبون.
وغني عن القول أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود يحفظه الله وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود قد أكدا مراراً وتكراراً أن رفاهية الوطن تشمل المواطنين والمقيمين على حد سواء. ومثال بسيط على هذا فقد شملت التعويضات المالية لمنكوبي الأمطار والسيول في جدة المواطنين والأجانب على قدم المساواة.
وأذكر في هذا الصدد أن مقيماً أجنبياً قد جاءني وهو يحمل في يده رسالة شكر وعرفان لخادم الحرمين الشريفين على هذه اللفتة الإنسانية العظيمة.
لقد جاء هؤلاء المقيمون إلى بلادنا بناء على طلبنا وبموجب عقود عمل رسمية للمساهمة في بناء الوطن وتنميته وهم قد شقوا وتعبوا معنا في هذه المهمة ومنهم من عاش بيننا أكثر مما عاش في بلاده بل بعضهم ولدوا هنا ولا يعرفون لهم وطناً غير هذه البلاد.
وأقل ما يمكن أن نعمله من أجلهم هو الوفاء بالتزاماتنا نحوهم وصيانة حقوقهم والحفاظ على كرامتهم وعدم استغلالهم أو النظر إليهم بإزدراء واحتقار فكلنا لآدم وآدم من تراب.


*نقلاً عن صحيفة "المدينة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.