عاجل

البث المباشر

"السعودي... ما في راسه"

فاجأني (إبراهيم) ببشارة حصوله على الوظيفة الحكومية بعد سبعة عشر عاماً من شهادته الجامعية – وقبلها كان إبراهيم كتلة متحركة من الشتم والسخط. أسطوانة تذمر لسبع عشرة سنة. وسأقبل على مضض أن الجامعي السعودي سيبقى عاطلاً لسبع سنين، ولكنني لن أهضم تبرير عاطل لسبع عشرة سنة. ومباشرة، هرب إبراهيم من سؤالي البسيط: هل بحثت عنها من أبها حتى رفحا، ومن (بيش) إلى (بيشة)؟ قصة إبراهيم أنه كان ينتظر فتح (ذات الإدارة) التي تصلح لشهادته أمام نافذة (الدريشة) على الشارع العام في بلدته الصغيرة، وأخيراً تم الافتتاح ولكن بعد سبع عشرة سنة..
قصة (لؤي) على النقيض: شهادة عليا في الإدارة الصناعية من جامعة البترول وسيرة ذاتية وثابة. يصطاد ببراعة مكانه الوظيفي في فروع الشركات العالمية المرموقة العابرة للقارات، ويترجل من واحدة للأخرى راحلاً حتى العام الماضي إلى ثلاث مدن مختلفة خلال خمس عشرة سنة، لكنه في الفترة الأخيرة وقع ضحية التحول ماسكاً بالحبل إلى عقدة التشدد. وفي ثلاث سنين فقط، استقال من شركتين حين اكتشف حجم سوقهما في دولة الكيان الصهيوني. كأنه (كان) من قبلها يظن أن إسرائيل حظيرة عجول مهجورة في صحراء (الكلاهاري) الأسترالية. ولو أننا جميعاً على مبادئ (لؤي)، بالقطيعة مع إسرائيل، لكنا أسرى الخيام نتفيأ (الطلح) في القيلولة. قلت له مازحاً إن وزرة (جدتي) من مصنع يهودي وكل حبة دواء، وعلبة مشروب، أو حتى دجاجة مجمدة لها جناح مستثمر من اليهود. ومثل لؤي، تأتي قصة (حمد): ترك وظيفة البنك بعد ثلاث عشرة سنة، لأنه يستبرئ لنفسه من الشبهة. حمل لمكتبي قبل فترة فتواه حول العمل بالبنوك فضغطت له أزراراً على (الآيباد) لأعطيه الفتوى المقابلة المناقضة. أشرت له، وعلى ورقته، إلى بعض أسماء تعطيه الفتوى، لكنها أيضاً تعمل في اللجنة الاستشارية الشرعية لبنك ما، كي يفهم لعبة المتناقضات، فهب مدافعاً دون أن يفهم!! وبالطبع، أتعاطف معه ولكننا اليوم لم نعد في (سبت بني بشر)، أو (ربوع آل يزيد)، يوم كانت البقرة بثلاثين صاعاً من البر. يضحك عليكم من يقول إن لديه حلولاً بديلة. وبلا تزوير: إسرائيل أقرب لتقاطعات حياتنا من قرية (السرة) المقابلة لمسقط الرأس. أيضاً لا أحد اليوم ينام وفلوسه تحت المخدة.
سأختم بـ(يحيى) الذي يعمل واجهة لبنجالي في سوق الخضار. وحين عنفت (تاج) على نهره وإهانته ليحيى جاءني الجواب الصاعق بلهجة بنجالية: السعودي.... ما في راسه. أعتقد أنه اختزل كل تشخيص المسألة.

* نقلا عن صحيفة "الوطن" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة