عاجل

البث المباشر

عشر سنوات من «معالجة» الإرهاب

في يقيني أن جذر الإرهاب هو في الفكر، وليس في غيره من العوامل، وإن ساعدت عليه.


الفكر هو مجموعة التصورات التي يحملها المرء عن نفسه ومجتمعه، وعن الآخر في الجوار أو الآخر المختلف. لقد تجاور ما كان يسمى (الصحوة) مع (حرب الأفغان) في ثمانينيات القرن الماضي لتمتزج بعد ذلك في عمليات إرهاب فظيعة في بلاد كانت قد صدَّرت عدداً من ( شباب الصحوة) إلى ( حرب أفغانستان) و خُيِّل للبعض أن (انتصارا) ما قد تم على القوة السوفيتية من خلال (مساعدتهم للمقاومة)، وهذا كان متخيلاً وليس حقيقياً، إلا أنه ما شاع وقتذاك! فلماذا لا يكون هناك أيضاً (حرب تحرير في البلاد)! وهكذا عاد (المجاهدون) بأفكار في واقعها مختلف وغير حقيقي عن قوتهم أولاً وقدرتهم، وعن مجتمعهم أيضاً. فحصلنا على تيارات مُغرَّر بها تحمل فكراً ( تكفيرياً) لكل ما هو مخالف عنها، أو تتصوره مخالفاً، زاد من ذلك الزخم الإعلامي الذي واكب (شباب الصحوة) وهم في طريقهم إلى ما عرف (بالجهاد في أفغانستان).


العملية الأفغانية هي عملية دولية بكل ما تحمله من معنى، كانت المعركة الأخيرة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي على نطاق عالمي. معسكر رأسمالي انهزم في فيتنام يريد أن يثأر لنفسه في أفغانستان، ووجد من الأدوات السياسية والإنسانية ما يعينه على ذلك.


وما كان انخراط ( شباب الصحوة) إلا جزءاً يسيراً من المعركة التي مُولت بسلاح من المعسكر الغربي، بل كان هناك صورة شهيرة للرئيس الأمريكي رونالد ريجان مع مجموعة من قادة (المجاهدين) في البيت الأبيض، ويقول ريجان للإعلام من خلالها: هؤلاء يذكروني بالآباء المؤسسين!! أي من أسس الجمهورية الأمريكية!! بسبب ضعف في الوعي وضعف في التأهيل، أعتقد أن شباب الصحوة- إن صح التعبير – ترفلهم ماكينة إعلامية غربية، جعلتهم يتوهموا أنفسهم ( المحررون) لأفغانستان من الهجمة (الشيوعية) كان ذلك وعي كاذب، نقلوه إلى بلدانهم. وقد وجدنا أن معظم المنخرطين في (الإرهاب المحلي) كان من خريجي دفعة (أفغانستان) في الغالب.


في العمل السياسي، كما في العلاج بالأدوية هناك شيء اسمه (التأثيرات غير المباشرة) مثل أن تناول «أسبرين» للصداع ولكنه أيضاً يسيل الدم وبالتالي تقل احتمالات الإصابة بالجلطة القلبية. هذا المثل هو التأثيرات غير المباشرة والإيجابية، ولكن هناك أيضاً تأثيرات غير مباشرة وسلبية، مثل تناول حبوب تخفيف الضغط يصيبك بانتفاخ في الأرجل! لقد كان هناك تأثيرات سلبية بسبب معركة أفغانستان الدولية.


لقد ظهر الخاسر فيها، ولكن الرابح لم يحدد بعد، فلا أفغانستان استقرت بل نجدها دخلت حروبا، ولا تزال تعاني عدم الاستقرار. وخسر العرب أو بعضهم الذين دخلوا في المعركة دون وضع خطة الخروج الآمن منها. فتدفق عدد من (المحاربين القدامى) بفكر غير واقعي على أنهم حرروا أفغانستان ويرغبون في (تحرير آخر) متخيل.


ولأنهم لم يجدوا نصرة لأفكارهم بين الجمهور الواسع لجأو إلى الإرهاب سبيلا للفت النظر أو استمرارا للانتحار!


لم يقتصر إعلامنا على تغذية هذا الفكر، وحتى مدارسنا، لأن هناك من تبنى الإرهاب الفكري (الإرهاب الناعم) إن صح التعبير، وهو دائرة كبيرة، تكفر الآخر وتبث فكراً سلبياً عن النفس وعن الآخر، من هذه الدائرة الكبيرة (الإرهاب الناعم) برز (الإرهاب الخشن) أي الإرهاب صاحب الرصاص والأحزمة الناسفة، والتفجيرات، وساعد بعد أفغانستان ظهور بؤر في الجوار، العراق وما بعد الاحتلال العراقي، اليمن وضعف الدولة أو انتهازية السياسيين، جعل من بؤر الإرهاب تبقى حية وتجذب جماعات كانوا قد أعدوا أصلاً في دائرة ( الإرهاب الناعم).

من هنا فإن معالجة الإرهاب تبدأ بالفكر وتصير الشباب بأصول دينهم وحاجة دنياهم، مع العمل على تجفيف منابع الإرهاب الأخرى، مثل إشاعة العدل و المساواة والضرب على يد المفسدين، وإصلاح جذري في كل من المنظومة التعليمية والمنظومة الإعلامية، إصلاح يتفهم واقعاً أصبح عالمياً هو أن العالم لم يعد قرية واحدة، كما قال مكماهون قبل أربعة عقود، لقد أصبح بناية واحدة وجيرة، كل يطَّلع على ما لدى جاره من خير أو شر.

*نقلا عن "الشرق" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة