عاجل

البث المباشر

تعدد الاختبارات تشتيت وإرباك

تُقاس الأمم والشعوب والمجتمعات طيلة الحركة الحضارية للإنسان، بما قدمته للبشرية من علوم ومعارف وآداب وفنون واختراعات وخدمات، ساهمت في تطور وتمدن وازدهار العالم، منذ العصور الاولى وحتى عصرنا الراهن، عصر التقنية المذهلة والانفجار المعلوماتي الهائل.
تلك هي بوصلة التطور ومعيار الازدهار الذي تُفاخر به الامم والشعوب والمجتمعات، لا أن تتغنى بالتاريخ التليد أو الامجاد الماضية، تماماً كما يحلو للمجتمعات العربية التي تمتهن هذه العادة الأثيرة التي تسببت في فقداننا الكثير من مكانتنا وقيمتنا الحضارية والعلمية والثقافية.
التفوق العلمي والمعرفي والتقني، هو الان القوة الاولى التي تُقاس بها الامم التي تُريد أن يكون لها الحضور الكبير والمؤثر والفاعل في منظومة العالم الجديد الذي تشكل منذ سبعينيات القرن الماضي. إذاً، القوة الان ليست للتعداد السكاني أو لترسانة السلاح أو الماضي المجيد، بل هي قوة ناعمة ترتكز على استثمار العلم والمعرفة والتقنية والإعلام والسياسة. تلك هي القوة المسيطرة على المنظومة العالمية الحديثة.
لم تعد الامم والشعوب التي ورثت بعض الصفحات الناصعة في سجل التاريخ البشري، تحظى بالمكانة والتقدير والبروز، ولكن حلت محلها تكتلات وتجمعات وتحالفات ادركت قيمة الاتحاد وأهمية المشاركة. قيادة العالم الآن، ليست بيد العازفين على لحن الماضي، ولكنها بيد المتسلحين بالعلم والمعرفة والتقنية، وقبل كل ذلك الاستثمار الامثل في الإنسان لأنه الاساس في كل تلك المصادر والثروات. لقد ادركت تلك الامم مبكراً ضرورة الاستثمار في الإنسان، لذا جعلته الخيار الاهم والأولوية الكبرى.
أعتذر عن هذه المقدمة الطويلة نسبياً، ولكنها قد تكون بداية جيدة لهذا المقال الذي سيتناول ظاهرة موسمية، بل مقيمة في مجتمعنا، وهي ظاهرة فوضى الاختبارات في مناهجنا الدراسية.
حاولت أن أحصي عدد الاختبارات التي بدأت تتكاثر بشكل كبير ومخيف، ولكنني استسلمت تحت وطأة الكثافة وسرعة "التجديد" وتعدد الاشكال. الاختبارات لا حصر لها في مناهجنا ومدارسنا وجامعاتنا، بل وفي كل تفاصيل حياتنا. لقد اصبحت الاختبارات، أشبه بفأرة تجارب في "معامل" وزارة التربية والتعليم، والضحية طبعاً هم طلابنا وطالباتنا، بل ومنظومة التعليم في بلادنا، هذا إذا اعترفنا أصلاً بوجود هذه المنظومة.
اختيارات، لا حصر لها وعلى كل المستويات. انواع وأشكال وأنماط ونسخ من الاختبارات التي لا وجود لمعظمها إلا في تعليمنا دون سواه. اختبارات تقويم شامل وتحصيلي وقدرات وقياس وتجريبي ومقالي وموضوعي وشفهي وكفاءات، والكثير الكثير من ذلك الصندوق العجيب من الاختبارات بمختلف اشكالها ومستوياتها.
وهنا، لابد من سؤال مهم موجّه للمسؤولين عن كل تلك الاختبارات في الوزارة : ما هو الهدف من كل تلك الاختبارات؟
هل هو قياس لما يحصل عليه الطالب من معلومات خلال الفصل الدراسي، أم هو تشتيت وإرباك وفوضى يتعرض لها الطالب؟
شعبة الاختبارات في وزارة التربية والتعليم تُمارس التجريب والتغيير والتدوير، دون أن نلمس نتيجة إيجابية لكل تلك التجارب والأفكار والآليات.
أعمل في حقل التعليم منذ سنوات طويلة، واعرف جيداً اهمية وخطورة وحساسية الاختبارات على ابنائنا الطلاب، وكذلك الاسرة والمجتمع.
نعم، تخلصت ظاهرة الاختبارات من الكثير من الاساليب والطرق التقليدية المرعبة التي عانينا منها سابقاً، ولكن القرارات المستعجلة وغير المدروسة التي تُتحفنا بها الوزارة بين الحين والآخر، تعيدنا الى ذلك المربع القديم، ولعل آخر تلك الابداعات - الاختبارات - التربوية التي اقرتها الوزارة هو الاختبارات التحصيلية التي فرضتها على مدارس التعليم العام قبل اسبوعين فقط.
وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن اكثر من 5 ملايين طالب وطالبة، ويعمل بها اكثر من نصف مليون معلم ومعلمة، وعلى ملاكها أكثر من 30 الف مدرسة، وزارة بهذا الحجم والمسؤولية والخطورة، كأنها لا تُجيد التخطيط ولا تُدرك قيمة الوقت ولا تعرف اهمية التدرج!
بعد عدة أيام، وتحديداً السبت القادم، يحل علينا موسم الاختبارات النهائية لمختلف مراحل التعليم، سواء العام أو الجامعي، وبكل حزن وأسف، يدخل طلابنا وطالباتنا تلك "القاعات" المعدة - تجاوزاً مني طبعاً - للاختبارات، بعد أن حارت بهم السبل وسط فوضى عارمة من تلك الاختبارات التي لا حصر لها. اختبارات بمسميات وأهداف وأفكار مختلفة ومتناقضة ومتضاربة، تُقرها الوزارة في اللحظات الاخيرة طبعاً.
الاختبارات، ليست سوى مؤشر أو معدل قياس لمعرفة المسافة ما بين الطالب وتلك العلوم والمعارف التي تعلمها خلال الموسم الدراسي، لا أن تكون مصدراً للخوف والارتباك والفوضى كما هو حاصل الان.
بالعلم والمعرفة، تحقق الامم أحلامها وآمالها وتطلعاتها، وتحجز لها مقعداً متقدماً في نادي الدول القوية والمتطورة والمتقدمة، وهذا لن يكون إلا بالاهتمام بمنظومة التربية والتعليم، والتي تُعتبر الاختبارات أحد أهم أركانها..


*نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات