«ملاس البياع» عندما يترصد بـ «نص جبهتك»!

محمد الحربي

نشر في: آخر تحديث:

..وشهر رمضان الكريم على الأبواب.. نعلم جميعا أن هناك عددا من الظواهر السلبية، إما أن تنشأ وتبدأ مع بداية الشهر الفضيل، أو أن تكون موجودة طيلة العام وتتصاعد مع إطلالة شهر الصيام.


أولى هذه الظواهر، انتشار المتسولين والمتسولات عند أبواب المساجد وإشارات المرور ومكائن الصراف الآلي، مستغلين ارتفاع منسوب الروحانية لدى الناس في رمضان، مع علمنا جميعا بأن هؤلاء المتسولين والمتسولات تديرهم عصابات متخصصة في التسول، توزع أماكنهم في كل مدينة من مدن المملكة، وتتولى جمعهم نهاية كل يوم عمل تسولي، ونفس الوجوه التي نراها هذا العام، رأيناها العام المنصرم والذي قبله، وسنراها في العام المقبل والذي يليه، طالما أن مكافحة التسول لا تنشط لا في المواسم ولا في بقية العام، والناس ما زالت عاجزة عن استيعاب أن هذه الظاهرة السلبية تشوه منظر مدننا وشوارعنا، وأن هؤلاء اللصوص يستغلون الخير الذي في داخلنا لنهب أموالنا طواعية وبرضانا ونحن نبتسم، ونتوهم أننا فعلنا خيرا لأن الأعمال بالنيات، ولكن هل «الأعمال بالنيات» تنطبق على هذه الحالة؟! إذا ما عرفت بأن هذا المتسول جاء من بلده ليستنزف مالك، وتديره عصابة تجمع الملايين من الريالات منك ومن غيرك، وربما هم أثرى منك، بل الأكيد أنهم أغنى من كثير منا.


عندما تبذل الخير، وأنت تعلم أنك صرفته لغير مستحق، وتعلم أنه سيصرف في طريق ليس للخير، فلا أدري ما نفع النيات في هذه الحالة؟!
هذه الظاهرة لا تشوه المدن والشوارع وحسب، ولا تستنزف أموالنا وحسب، ولكنها وفي كثير من الأحيان تنتهك براءة الأطفال وتستغلهم أبشع استغلال، ونحن بمنح هذه الصدقات لهم نعينهم بشكل مباشر على انتهاك الطفولة واستغلالها بأبشع صورة، ونساهم ونحن نتوهم أننا نفعل الخير في تدمير مستقبل هؤلاء الأطفال وانتهاك آدميتهم وحقوقهم، ولا بد لنا جميعا من مكافحة هذه الظاهرة بأنفسنا، وأن لا ننتظر من مكافحة التسول أن تقضي على الظاهرة؛ لأنها لن تأتي، وإن جاءت فإن أعداد فرقها ضئيل جدا مقارنة بأعداد المتسولين في شوارعنا.


والظاهرة التي تنشأ مع إعلان هلال رمضان، هي بسطات المأكولات الشعبية والرمضانية كالسمبوسة والمقلية والحلويات، وسيارات السوبيا والزبيب، التي تملأ الشوارع طيلة أيام الشهر الفضيل، بلا رقابة عليها، وبلا معايير نظافة أو صحة، ونحن في غمرة الجوع والعطش من الصيام «مدعرمين» عليها، ونصطف في طوابير طويلة، دون أن نسأل أنفسنا أو أن نسأل البائع عن مكان تصنيعها ومدى نظافته، وأعتقد أنه لو فكر أحدنا في سؤال البائع هذه الأسئلة لـكانت النتيجة «خبطة بأطرف ملاس على يمين البياع تسوي لك علامة في نص جبهتك، وتخليك تتعلم تسأل أسئلة زي وجهك مرة ثانية»؛ لأن الطابور طويل جدا ولا مانع لدى الزبائن في أن يلقوا بصاحب السؤال خارج الطابور غير مأسوف عليه «بناقص زبون يا عمي»، ويقفز في الذهن سؤال: خلال الشهر المنصرم كانت الحملات على المطاعم ومحال المواد الغذائية على أشدها، وكانت الفرق الميدانية تجوب مدن ومحافظات المملكة، في حملات غير مسبوقة تغلق مطاعم وتصادر لحوما وأسماكا وخضراوات وفواكه فاسدة، وتمنع العمالة غير المرخصة من العمل في هذه الأماكن، فهل سنرى هذه الحملات والفرق فاعلة في رمضان لتداهم محال البيع العشوائي ومصادرة أطعمته مجهولة المصدر؟


أم أن مفعول الصيام سيأخذ منهم مأخذه، كعادة كل الموظفين في شهر الصوم الذين تنتابهم حالة عجيبة غريبة يتقمصون فيها دور المتعبين «الهلكانين»، الروحانيين، «العيون ذبلانة»، و«الشفاه جافة»، والعمل «آخر شيء يمكن يخطر على باله في الحياة»، مع العلم بأنهم في كثير من أيام العمل في الشهور الأخرى ربما لا يتناولون لقمة طعام واحدة!.
وكل عام وأنتم بخير قبل الزحمة.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.