شهادة الثانوية العامة ونهاية قيمتها العلمية

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

مع نسب القبول في الجامعات توضع للثانوية العامة 20 في المائة فقط، حتى أصبح من يحصل على 100 في المائة كمن حصل على 70 في المائة، ومع وجود سنة تحضيرية تعيد تدريس ما درسه الطالب من قبل، هل بقي للشهادة الثانوية ما تعتز به؟ لقد توسعت رغبة المجتمع السعودي في الحصول على الشهادات العلمية العليا كالبكالوريس والماجستير والدكتوراه، وتناقصت بهذا "القيمة المعنوية" للشهادة الثانوية، فلم يعد هناك من يعبأ بها، كما كانت عليه الحال قبل 30 عاما من اليوم. في ذلك الزمان كان الحصول على الثانوية أمرا جللا وفخرا عظيما، واليوم تطورت إمكانات الطالب السعودي حتى أصبح اجتياز الثانوية أمرا قليل الأهمية، وأصبح الحصول على البكالوريوس خبرا عاديا بعدما كانت حلما.

ورغم أن هذا جعل الثانوية العامة بلا قيمة "معنوية" تقريبا فقد حافظت على قيمتها "العلمية" عندما كانت شروط القبول تصنف الطلاب وتوزعهم بناء على درجاتهم في الثانوية. لكن اليوم ومع ظهور اختبارات القدرات والتحصيلي والسنة التحضيرية فإنه يمكن القول وبكل شفافية: إن شهادة الثانوية العامة بل معها كل "التعليم الثانوي" فقد قيمته العلمية تماما وفقد مبرر وجوده من باب أولى.

يجب ألا يتسبب رأيي هذا في غضب أي شخص، فالقضية ليست شخصية، بل هي قضية فلسفة علم. ماذا تعني الشهادة العلمية؟ إنها تعني "وفقا لفيلسوف المجتمعات العلمية (توماس كون)" إقرار من مجموعة من الأساتذة يشكلون مدرسة علمية بأن الخريج قد حصل على المعرفة اللازمة "وفق ما تبنته هذه المدرسة من مفاهيم ونظريات"، وأن ذلك الطالب قادر على تمثيل ونقل علوم هذه المؤسسة في المجتمع بطريقة صحيحة، ويجب أن يصدر هذا القرار بالإجماع فإذا لم يتمكن الطالب من النجاح عند أحد الأساتذة فلن يحصل على الشهادة حتى ولو نجح عند الباقين. في الماضي كان العلماء المسلمون يمنحون شهاداتهم العلمية من خلال الإجازة الفردية على الفتوى أو تدريس العلم أو الكتابة فيه، لذلك اهتم المجتمع الإسلامي بقضية شهادة الأفراد للأفراد وانتشرت في تلك الفترة ظاهرة الشيوخ "فلم تظهر الجامعات"، ودارت الأسئلة حول شيوخ طالب ورحلاته العلمية قبل قبوله والسماع منه، ولهذا سافر طلاب العلم من شرق الأرض إلى غربها طمعا في الحصول على إجازة شيخ معترف به اجتماعيا ومن ثم إضافته إلى السجل العلمي، لأنها دليل المصداقية العلمية، ومن هنا جاءت علوم الجرح والتعديل حتى لا يدعي أحدهم الجلوس لشيخ ليس من عصره أو لم يثبت جلوسه إليه فترة كافية، وظهرت من هنا المذاهب العلمية.

إذاً فالقيمة العلمية لأي شهادة تعليمية تنبع من قبول مجتمع ما للمدرسة التي تخرج فيها طالب أو قبول شيوخه "كما كان في الماضي". وهذا صحيح أيضا حتى الآن، فلقد انتشرت المدارس والمراكز العلمية في كل مكان في العالم وجميعها تمنح شهادات علمية تتفاوت نسبة قبول المجتمعات لها "كما أن قبولها يختلف من مجتمع مهني إلى مجتمع أكاديمي داخل إطار المجتمع الواحد"، وهذا يفسر كثيرا من النقاشات الطويلة بين خريجي المدرسة البريطانية والمدرسة الأمريكية، وكذلك بين خريجي مدرسة هارفارد، وستانفورد وباقي الجامعات الأمريكية، أو مدرسة أكسفورد وكامبريدج والمدارس البريطانية الأخرى، وهو يفسر أيضا سبب رفض المجتمع أخيرا وبحدة مسألة الشهادات الأكاديمية التي تصدر من مؤسسات "غير معترف بها".

المجتمع يعبر عن رفضه شهادة علمية ما، إذا قرر إهمالها من خلال عدم الاعتراف بها في التوظيف والترقية، أو في التدريس، وإكمال الدراسة "دخول الجامعة"، وهنا بيت القصيد في شهادة الثانوية العامة التي لم تعد مقبولة في عملية الدخول للجامعات السعودية، فضلا عن عدم قبولها في الدخول إلى أي مهنة. وهذا ليس تجنيا، فدخول الطالب إلى الجامعات السعودية أصبح يعتمد على اختبارات قياسية وليس على شهادات علمية، أي أن المجتمع الأكاديمي للجامعات لم يعد يعترف بالمحتوى العلمي للشهادة الثانوية ولا بمدارسها، لذلك لم تعد أساسا للتفاضل، بل مجرد شرط لدخول الجامعة كشرطي العمر واللياقة البدنية والصحية. فإذا قيل: إن الجامعات السعودية تضع المعيار العلمي للتفاضل في دخول الجامعة على أساس أن حصة الثانوية العامة فيه تعادل 20 في المائة فقط، فماذا يعني ذلك؟

يعني أن المجتمع العلمي في هذه الجامعة أو في هذا التخصص لم يعد يؤمن بالثانوية العامة ولا بالتعليم العام من باب أولى، 20 في المائة تعني أن طالبا حصل على درجة 100 في المائة كطالب حصل على درجة 70 في المائة لا فرق كبير بينهما "فسيتم تعديل الدرجات لتصبح 20 في المائة و14 في المائة، أي أن الفرق بينهما أربع درجات فقط، وهو درجتان بين طالب ممتاز حاصل على 90 في المائة وطالب جيد حاصل على 70 في المائة"، وهذا معناه أن على الطلاب ألا يبذلوا جهدهم في الحصول على درجات التفوق في الثانوية، بل عليهم فقط بذل الجهد لاجتيازها "كشرط العمر" والتركيز على الاختبارات القياسية الأخرى.

فإذا أضفت إلى هذا أنه حتى بعد دخول الطالب إلى الجامعة، فإنه يخضع إلى ما سمي بالسنة التحضيرية التي يعاد فيها تدريس الطلاب معظم المواد التي سبق أن تم تدريسها في الثانوية، فإن معنى هذا كله أن شهادة الثانوية العامة لم تعد تحتوي على أي قيمة علمية يمكن الاستناد إليها لمواصلة رحلة العلم والتخصص. والسؤال الذي يبرز هو: ما الذي بقي للمحافظة على هذه الشهادة، هل هناك فرق بين الثانوية والمتوسطة؟ هل من الأنسب أن نكتفي بالمتوسطة؟ ومن يجتاز اختبارات القياس والقدرات يدخل الجامعة فورا، لأن الثانوية أصبحت مجرد هدر لعمر الطلاب، بينما يمكن استثمارهم بشكل أفضل وقد يحصل أحدهم على درجة الدكتوراه وهو في الثانية والعشرين من عمره.

لكن السؤال الأكثر حتمية اليوم هو: كيف قررت الجامعات هذه النسب وتوزيعها؟ وكيف قررت السنة التحضيرية؟ وهل هناك سند علمي وفلسفي واضح لكل ذلك، أم هي قرارات ارتجالية للجان في قاعات مغلقة؟ في كل عام تعدل الكثير من الجامعات السعودية توزيعها لدرجات القبول بين الثانوية والقدرات والتحصيلي بطريقة أجزم تماما "ولا ينبئك مثل خبير" بأنها عشوائية ليس لها علاقة بالمنهج العلمي ولا بالتعليم والبحث سوى انطباعات شخصية لأعضاء لجان في غرف مغلقة بعيدة عن المجتمع وبعيدة عن أي فلسفة علمية يمكن الدفاع عنها أمام الأجيال التي تسحق طموحاتها بيد باردة.

*نقلا عن "الاقتصادية" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.