لماذا مشاريعنا الأعلى تكلفة والأقل جودة ؟

خالد الشريدة

نشر في: آخر تحديث:

جميع مشروعات التنمية وتأسيس البنيات التحتية مكلفة وتتطلب جرعات عالية من الشفافية والحماية من الهدر والعبث بتمويلها في كل مراحل تنفيذها، لأنها لا تخدم حاضرا فقط وإنما تمتد الى المستقبل لتخدم أجيالا قادمة، وعلى سبيل المثال، فإن مشروعات الصرف الصحي في بريطانيا وهي من مشروعات البنية التحتية الأساسية عمرها حتى الآن قرابة المائتي عام، لأن من خطط لها ونفذها وضع في اعتباره أن تعمل لأكثر من هذه المدة خاصة مع فكرة تمدد مدينة كبيرة بحجم لندن وتوسعها في المستقبل وهو ما توافق بالفعل مع الواقع وتمت حماية المدينة من مشروعات متكررة ولا تتمتع بالجودة يتم فيها هدر المال العام فكانت حمايتها بالجودة وبأقل تكاليف.

لدينا في بلادنا مشروعات يتم تنفيذها بتكاليف باهظة وجودة أقل، وتتكرر صيانتها بميزانيات ضخمة هي في الواقع هدر للمال العام بامتياز، ولا نرى مشروعات تم تخطيطها وتنفيذها من أجل أن تستمر لخمسين عاما فقط، بل هناك مشروعات ضخمة تبدأ التراجع وأعمال الصيانة فيها عقب تدشينها، فأين المشكلة؟ هل هي هندسية بحيث نستخدم مهندسين غير أكفاء؟ هل هي إدارية تسمح بتنفيذ وتسلم مشروعات لا تتمتع بالجودة؟ هل هي تنفيذية تتعلق بتنفيذها بأقل المواد جودة لتوفير مبالغ مالية تضاف الى أرباح المنفذين والمعنيين بالأمر؟
الآن نحن أمام مشروع وطني عملاق بمعنى الكلمة، وله نماذجه في كثير من دول العالم المتقدمة ولم نر أو نسمع أو نقرأ أنه تعرض لأي مطبات تقنية أو هندسية تكرر أعمال الصيانة فيه لتخصيص ميزانيات إضافية هي عبء على كاهل الدولة، وهو مشروع المترو الذي يوجد في كثير من المدن العالمية الكبيرة منذ عقود وهو يعمل على مدار الدقيقة دون مشكلات، وهو ما نأمله في مشروعنا الذي منحت له عقود بقيمة 22.5 مليار دولار لثلاثة تحالفات لبنائه وتصميمه الى جانب إنفاق 3 مليارات ريال لشراء الأراضي التي يمر بها، وذلك ضمن تخصيص 200 مليار ريال لمشروعات النقل العام.
مشاريعنا العملاقة متعددة وميزانياتها ضخمة واستشهد أيضا بتوسعة وتطوير مطار الملك عبدالعزيز الدولي، الذي بلغت تكلفته 27 مليارا و 111 مليون ريال، بطاقة استيعابية تصل إلى 17 مليون مسافر، وحين نقارن هذه الميزانية الضخمة بتوسعة مماثلة لمطار دبي الدولي (الصالة 3)، نجد أن تكلفتها بلغت 4،55 مليار دولار، ما يعادل 17 مليار ريال، وبطاقة استيعابية تصل إلى 43 مليون مسافر، أي أكثر من ضعفي استيعاب مطار الملك عبدالعزيز، وهي مقارنة تفتح كثيرا من التساؤلات حول الفروقات في التكاليف والطاقة الاستيعابية، وهنا أجدني مضطرا لعدم التعليق.
في حالات تأسيس مشروعات البنية التحتية العملاقة ينبغي النظر بمنظور علمي للحركة المالية، فهي تقوم على الشفافية وارتفاع الحس بالمسؤولية، وإذا لم توجد وسيلة لضغط الميزانيات بصورة دقيقة وموضوعية كما في حالة مطاري الملك عبد العزيز ودبي، فإننا نطمح لتأسيس يبقى مائة أو مائتي عام قبل أن تمتد يد الصيانة اليه، أي أن يكون مشروعا لأجيال عديدة قادمة وليس لذات الجهات المنفذة التي ما ان تسلم المشروع إلا وتعود لتعمل فيه مجددا بميزانيات أخرى واستنزاف لا يتوقف للمال العام، لنقبض الريح مع كل مشروع به ثغرة تلتهم باسم الصيانة مزيدا من التمويل، وذلك ما نأمل أن يتجنبه مشروع المترو لأنه سيكون مكشوفا جدا خاصة وأن مشروعات الآخرين تعمل منذ عشرات السنوات دون أي خدش أو مشكلة تستدعي الصيانة وفتح بنود ميزانيات جائعة دوما.


*نقلا عن "اليوم" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.