الطائف التي جرفت!

محمد الساعد

نشر في: آخر تحديث:

عن الطائف أحدثكم، عن المدينة البهية كما يجب أن تروى، لا كما شوهها أرباع وأخماس المتعلمين وأعشار المهوبين في بلدية الطائف ومجلسها البلدي وبعض رجال الأعمال.

إنه مثلث من مال وقلة حيلة ومعرفة، أخذ الطائف على حين غرة من الزمن إلى محافظ الجيوب وغياهب المال. هم المعنيون بالحفاظ على الطائف كما استلموا أمانتها ذات يوم ممن كان قبلهم، لا كما حولوها اليوم، فها هي اليوم تبدو شاحبة تم تسليعها، وجرف تفاصيلها وتقاليدها وحياتها التي عرفتها منذ مئات إن لم يكن آلاف السنين.

قبل 25 عاماً، جاء دكتور اسمه حسن حجرة رئيساً لبلدية الطائف، قادماً من مدرسة العبقري المهندس محمد سعيد فارسي، بالطبع لم يأت لينقل تجربة جدة المدينة الساحلية بل جاء وهو يعلم ويعرف بأنها مدينة مطيرة وجبلية وخضراء مؤنسة ومهوى أفئدة السياحة وملتقى المصطافين البسطاء، فوهبها من موهبته ورؤيته الشيء الكثير.

التفت إلى خصائصها، فعرف هويتها التي لا تتزحزح، ومنها بنى مدينة الطائف التي عرفناها في حداثتها، فبدأ بالشوارع والميادين وواجهات البيوت، وزرع مئات الآلاف من أشجارها العتيقة في الجبال والحدائق والمتنزهات.

نشر مئات الحدائق المجانية بمساحاتها الضخمة، وجعلها متنفساً للطائفيين وزوارهم، حمى الشفا والهدى وكل متنزهاتها الوطنية، وأبقاهما كما استلمهما جميلان باذخان.

أنا اليوم لن أتحدث عن عبقرية الحجرة على رغم قلة المال في زمنه، فهو موظف أدى عمله ومضى، لكنه عندما عمل كان موهوباً، وصاحب رؤية تماهت مع الطائف، ولم تضاده. لكنني سأتحدث عن خيبات الطائف المتتالية، وتراجعها لمدينة متأخرة في باب النظافة والزراعة والحدائق والتجميل وفقدان الهوية على رغم كثافة المال وتعاظم الموازنات. فمن جاء بعده حولها إلى مدينة تتهاوى تحت أفكار باهتة ومشاريع غير مدروسة، وهوية تداس في سوق التجريب.

كتبت قبل عام وربما قبله عن الطائف التي أعرفها ويعرفها أهلها ومحبوها، عن تلك المدينة التي توارثت جمالها زمناً بعد زمن، كم كنت أنا وكل من عرف الطائف وأحبها أن تحافظ بلدية الطائف على ما استلمته من المدينة من دون السقوط بها.

فالنجاح ليس أن تهدم وتخرب أو تتحايل على قلة المعرفة، وتؤجر جمال مدينتك لرجال أعمال معينين فقط، ولا تهدم شارعاً رائعاً لتبني شارعاً بشعاً، ولا أن تزيل حديقة غناء ومتنزهاً لتطلق مشروعاً كسيحاً متعثراً. بل إن العبقرية والجهد المشكور هو أن تفهم أن مدينتك هي مدينة عتيقة جميلة، لها خصائصها التي يجب ألا تتغير، أن تبقى على فرادتها، وأن تعرف وتُعلم من حولك من موظفيك، أنها مدينة لها هوية زراعية وسياحية لا تتزحزح، فلا التجارة ولا غيرها من الهوايات المزورة ستطغى عليها.

ولا أن تحاول تطوير ما لا تعلم ولا تفقه، فالشوارع الجميلة المغروسة بالخضرة أبقي عليها كما هي، والأحياء العتيقة دعها تتنفس الزمن، والجبال الخضراء التي وهبها الله اتركها في حالها من دون تأجير رجل أعمال.

والمدينة الخضراء التي كان يعمل في زراعتها مزارعون مواطنون،لا تسلمها لعمالة أجنبية لا تعمل ولا تعرف أن تعمل، بل الطائف التي استلمتها حافظ عليها فقط، ففي ذلك كل الانجاز.

قبل عام كتبت عن الطائف وربما قبل عامين وأكثر، كتبت عن كل تلك الجبال التي أجرت لرجل أعمال واحد فقط، من دون أن نتلقى رداً يطفئ الأسئلة عن مشروعية ما حدث، عن الطائف التي زايدت عليها عائلتان تجاريتان فقط، فأخذت الجبال والسهول، وجرفتها وحولتها إلى حصالة كبيرة للمال، فهل سيجيب أحد اليوم.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.