عاجل

البث المباشر

رضوان السيد

<p>مفكر لبناني.</p>

مفكر لبناني.

إنقاذ سوريا!

هناك ثلاثة أطراف تُظهر اهتمامات قوية ولكنْ متناقضة بالوضع السوري المتفاقم، الذي وصل منذ سنة إلى حدود الكارثة: الفريق الأول: حليف أو حلفاء النظام السوري، وهم رئيسيون وفرعيون: الرئيسيون إيران وروسيا، والفرعيون حلفاء إيران من أنظمة وميليشيات، وحلفاء روسيا والذين تمون عليهم لأسباب لا علاقة لها بسوريا وإنما بالموقف من الولايات المتحدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.. إلخ. والحقيقة أنّ هؤلاء حلفاء حقيقيون وإن اختلفت الأسباب. إذ إنّ جرائم النظام الفظيعة التي لا يمكن تقبُّلُها، ما غيرّت شيئاً من دعمهم للنظام. فقد «باع» الروس للأسد منذ بداية الثورة سلاحاً بما يزيد على 5 مليارات دولار، ولديهم «خبراء» واستراتيجيون عسكريون شارك بعضهم خلال الشهور الماضية في القتال. وقد دفع النظام السوري بنفسه الأموال للروس في البدايات، ثم دفع العراقيون، والآن يدفع الإيرانيون. ولكن يبقى (فيما يقال) حوالي المليار دولار دون دفع، لذلك ما سلّم الروس صواريخ الـ 300 - 5 للنظام السوري رغم زعمهم أنهم لم يفعلوا ذلك بسبب رعايتهم لأمن إسرائيل! لكنّ الروس يعرفون أنّ الأسد لا يمكن أن يهاجم إسرائيل فقد أعدَّ هو ووالده الكيماوي منذ الثمانينيات ضد إسرائيل التي هاجمته عدة مرات، ومع ذلك ما استخدمه إلا ضد شعبه! لذلك يبقى غريباً هذا الإصرار من جانب الروس على البقاء إلى جانب الأسد. ولا أستطيع التصديق بأن تحدّي بوتين هذا للأميركيين والعرب والأتراك سيُنتج له دوراً أكبر في الشرق الأوسط، ولا أنّ ذلك الدعم الهائل هو بسبب الأموال والصفقات، فقد كان يستطيع الحصول على صفقاتٍ أفضل على المستويين الدولي والإقليمي. ثم إنه يعرف أن الأسد غير باقٍ مهما يقدِّمُ له من دعم هو والإيرانيين والكوريين الشماليين، وحتى لو احتلّ مع إيران سوريا لحماية الأسد(!)، فلماذا هذا التشبُّث بالأسد؟ لا يمكن وضع المسؤولية عن ذلك على عاتق الولايات المتحدة وعنادها، فالأميركيون في عهد أوباما أبعد ما يكونون عن العناد أو النزعة العسكرية، ولا أجد أصبر من كيري غير أوباما، ولولا إحراجات النظام السوري شبه اليومية وآخرها الكيماوي، لما حرَّك أوباما ساكناً، كما أنه وكيري وسائر الغربيين يغرقون اليوم في «عَسَل» المبادرة الروسية للتخلُّص من الكيماوي السوري! وهكذا فكل الظروف هي لصالح بوتين ومصالح روسيا في الشرق الأوسط والعالم، إذا وافق على قرارٍ دوليٍّ يحرّر الشعب السوري من كوارث القتل والخراب. وهو لم يفعل ولن يفعل، ولا أستطيع أن أفهم علَّةً لذلك إلا إذا كان التفسير الذي قدّمه أوباما لشخصية بوتين صحيحاً عندما قال إنه يجلس مثل «طفل غاضبٍ في آخر الفصل الدراسي»، وهذا يعني ثوراناً وإحساساً بالظلم وما يشبه انفصام الشخصية. ومع ذلك، فهذا التفسير يبقى شديد التبسيط، لشخصية رجل صعد إلى الزعامة ومارس العمل السياسي منذ أواسط التسعينيات في دولة كبرى، بعد عشرين سنة في الاستخبارات الروسية، وليس من السهل اللجوء في حالته إلى «التحليل النفسي» مثلما فعلت مجلة «تايم».

إنما الحالة الأعجب والأكثر فظاعةً بالفعل مسألة إيران وحلفائها. عندهم الآن حوالي الأربعين ألف مقاتل في سوريا، من الحرس الثوري و«حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثية. وقد أنفقوا حتى الآن هم وتابعوهم ما لا يقلّ عن ثلاثين مليار دولار لدعم النظام السوري، واستخدموا في هذا الصراع أسلحةً ما استخدموها ضدَّ إسرائيل. استخدموا الدين والمذهب أكثر مما استخدمهما النظام السوري. قالوا أولاً إنهم يريدون حماية نظام الممانعة والمقاومة. ثم قالوا إنهم يريدون حماية المزارات المقدسة في سوريا، ثم قالوا إنّ السنة تكفيريون وهم يريدون حماية العلويين منهم وحماية الشيعة، وذلك بقتالهم في سوريا قبل أن يصلوا إلى النجف وقم! وسمعتُ خامنئي مراراً يقول إن إيران تدعم النظام السوري إلى النهاية؛ لأن أميركا وإسرائيل تمولان المتمردين وتزوّدانهم بالسلاح! والطريف أنّ الذين تأمَّلوا (من الإيرانيين وليس من العرب) أنْ يكون روحاني أكثر تعقُّلاً في التعامل مع المذبحة السورية، أبلغني اثنان منهم بأنّ روحاني أظهر تشدداً في الملف السوري بالذات وليس تحت ضغوط من أي جهة، ولم يعتذر بأن الملف بيد خامنئي وليس بيده!

والواقع أنّ الخيبة من موقف رجالات الثورة الإيرانية لا يقتصر على السياسيين ورجالات الاستخبارات والحرس الثوري. بل إن خيبتنا تمتد بالدرجة الأولى باتجاه كبار المراجع بإيران والعراق. لقد قال الإيرانيون دائماً إنّ فلسطين أولوية بالنسبة لهم. ونسب أمين عام «حزب الله» ذلك إلى المذهب الاثني عشري كله! لكن إسرائيل على هَول وجودها وهَول حروبها، ما قتلت من الفلسطينيين في سبعين عاماً ما قتله النظام السوري خلال سنتين! فأين المصلحة الدينية أو الاستراتيجية لإيران في هذا العداء المطلق للعرب وللسوريين، وفي اصطناع الفِتَن والتفرقة في المجتمعات العربية؟! أرى أنّ موقف الإيرانيين في النزاع بين الأسد وشعبه أفظع أخلاقياً من الموقف البوتيني، وهو مُضِرٌ بمصالح الشيعة وإيران في الحاضر والمستقبل!

أما الفريق الآخر المعني بالنزاع في سوريا، ولأسباب إنسانية واستراتيجية، فهو الفريق الغربي. والحقيقة أنه ومنذ سنتين فالدول الرئيسية في أوروبا وأميركا تتمنى سقوط الأسد، وقد قدّمت مساعداتٍ كبيرة للنازحين السوريين دون المقاتلين. لكنّ المسؤولين والشعوب ليسوا مستعدين للعمل على إنهاء الأزمة أو الحرب إلا من خلال مجلس الأمن. ومجلس الأمن يعطله منذ سنتين الروس والصينيون. وما استطاع الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون إحداث أي تغيير في الموقف الروسي بعد مؤتمر جنيف - 1. والذي أراه أنهـم سيظلُّون يعارضون الأسـد، وقد يساعدون الثوار عسكرياً، لكنهم لن يفعلوا أكثر من ذلك إلا سياسياً من خلال جنيف - 2. لقد أغضب التردد الغربي كثيرين من العرب، لكنّ منطقهم يقول: لماذا ندخل حرباً في تلك المنطقة المشتعلة التي تسيل فيها الدماء أنهاراً، ما دُمنا قد خبنا من قبل، وما استطعنا تحسين الوضع في العراق: فإما أن يدخل العالم كله، وإلا فلن نحرق أصابعنا مرةً أُخرى!

ويبقى الفريق الثالث، وهو الفريق العربي، ومعه تركيا. هذا الفريق وصل إلى حد اليأس بعد سنة ونصف السنة من النضال على كل المستويات. لقد بدأ الخليجيون بجمع العرب لمحاصرة النظام السوري، وما نجحوا إلا بعد لأي. فالمالكي يعمل عند إيران، وكذلك اللبناني، والنظامان الجزائري والسوداني لا يختلفان في الطبيعة عن النظام السوري. والمصري متردد ومتحالف مع إيران من تحت الطاولة أيام «الإخوان»، ومتردد بعد «الإخوان»! وعلى كل حال نجح الخليجيون في استصدار قرارات وصنع مبادرات بالجامعة العربية وفي مجلس التعاون الإسلامي، وهم الأكثر دعماً (والوحيدون أحياناً) للثوار، ويتحملون أعباء نصف النازحين. وحاولوا بكل سبيل دفع الأوروبيين والأميركيين للعمل أكثر لوقف سفك الدم. واستماتوا لإقناع روسيا بالضغط من أجل الحلّ السلمي أو السياسي. ولأن تركيا دولة جوار، ولأن النظام السوري يشكل تهديداً على حدودها وفي داخلها المنقسم طائفياً، صار من مصلحة أردوجان إسقاط الأسد. لذلك يجد العرب والأتراك أنفسهم في زورق واحد في الملف السوري.

لا يستطيع العرب بمفردهم التدخل عسكرياً لإسقاط النظام السوري أو وقف سفك الدم. ومهما ساعدوا عسكرياً وسياسياً، فإن حلفاء الأسد يمكنهم الاستمرار في القتال. ولذا لا بد من العمل بكل سبيل على حل سياسي هدفه الأول وقف سفك الدم، وعودة النازحين، والبدء بالمرحلة الانتقالية: فهل يكون ذلك ممكناً في الأمد المنظور؟

*نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات