الحق على الجسر !

خلف الحربي

نشر في: آخر تحديث:

أفسد عدد من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرحة اليوم الوطني، حين تسببوا في حادث مأساوي كان ضحيته شقيقان في مقتبل العمر، وذلك بعد مطاردة مرعبة بالسيارات كانت نهايتها سقوط سيارة الشابين من أعلى أحد الجسور في الرياض، ما حدث كان تحديا صارخا لقرار منع المطاردات القاتلة واستهتارا واضحا بحياة كل البشر الذين يستعملون الطريق في هذه الذكرى المجيدة، وهنا يكون أعضاء الهيئة المتورطون في هذه الحادثة قد ارتكبوا جملة من المنكرات، أهمها التسبب في إزهاق الأنفس البريئة، ومخالفة الأنظمة والتعليمات التي وضعتها الهيئة نفسها.. ليبقى السؤال القديم المتجدد: من بإمكانه أن ينهى عضو الهيئة عن ارتكاب المنكر؟!.

صحيح أن جميع المشتبه بهم هم الآن قيد الإيقاف والتحقيق، ولكن هذه الحادثة لا تتوقف عند بعدها الجنائي، بل هي تكشف عن تحدٍّ صريح لكل جهود إصلاح هذا الجهاز التي قادها الرئيس الجديد أو فرضتها بعض النتائج الكارثية لحوادث المطاردات؟، كيف يصلح الناس من يقاوم إصلاح نفسه؟، وكيف سيسمع الناس نصائحه وهو لم يستمع لنصائح رؤسائه الذين هم أكثر منه خبرة ودراية؟، ولماذا يفترض أن الناس سوف يصححون أخطاءهم بمجرد أن يشاهدوا وجهه الكريم وهو الذي يرفض جهارا نهارا تصحيح أخطائه؟.

لم يكن ثمة أي مبرر لحدوث هذه الفاجعة التي أدمت فؤاد الوطن في يوم فرحته، فقد كان بالإمكان الاستدلال على الشابين من خلال لوحة السيارة، أو من خلال إبلاغ الدوريات، فالمطاردة تمت في قلب الرياض وليس في مكان بعيد عن الأنظار، ولكنه الغرور والتعالي الذي يتصف به بعض الأعضاء الميدانيين لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم ينسون دائما أنهم موظفون يتقاضون رواتبهم لخدمتنا نحن المواطنين، وأنهم ليسوا في مرتبة أعلى منا كي يتجاوزوا الأنظمة التي تحكم علاقتنا بهم، هم موظفون.. موظفون..موظفون.. وأقولها ثلاثا لأنه لا توجد صفة دينية أو قانونية تبيح لهم التصرف خارج الأنظمة بناء على الحالة المزاجية أو العصبية لكل فرد منهم.

أسألكم بالله أيها المسلمون الذين لم تختطف عقولهم رياح الوصاية: من هو الأولى بالفحص بحثا عن المؤثرات العقلية جثة الشاب القتيل أم عضو الهيئة الذي صدم السيارة حتى سقطت من أعلى الجسر؟، هل هذا تصرف موظف عاقل؟. من هو الأرعن هنا؟، من الذي فقد عقله؟، وأسألكم أيضا: هل الأولى أن يكرم الشاب الشجاع الذي وثق هذه الحادثة الخطيرة بالفيديو، وقدم أوضح الأدلة للجهات الأمنية والقضائية رغم مخاطرته بحياته من أجل تصوير هذه المطاردة الهوليودية، أم أن توجه له تهمة قذف أعضاء الهيئة؟، كيف تمنح ذهنية الوصاية الحق لأعضاء الهيئة المتورطين بأن يتصرفوا خارج حدود العقل وتتوقف عند كلمة لا إرادية خرجت من فم هذا الشاب المصور حين فجع بمشهد سقوط السيارة وهروب سيارة الهيئة؟!.

ما حدث كان منكرا عظيما، ومن واجب المسؤولين والمواطنين إنكاره بكل وسيلة ممكنة، والإنكار هنا لا يتوقف عند المطالبة بالجزاء العادل لكل من تسببوا في هذه الفاجعة، بل إنه يمتد إلى دعم كل جهد مخلص لإصلاح هذا الجهاز الذي اتضح أن بعض أعضائه الميدانيين يرون في كل برامج التأهيل والتطوير والإصلاح والتنظيم تحجيما لهم، وهذا سلوك وظيفي خطير من شأنه أن يجعل كل علاج عديم الفائدة.

أما أنصار الهيئة مهما ارتكب أعضاؤها من أخطاء فادحة فهؤلاء لا علاج لهم؛ لأنهم لا يدركون أنهم وأفراد أسرهم قد يكونون عرضة لمثل هذه الأخطاء الشنيعة ما لم توضع حدود صارمة تبين علاقة المواطن بعضو الهيئة، ومثلهم هيئة حقوق الإنسان، وجمعية حقوق الإنسان، فكل واحدة منهما صمتت صمت القبور تجاه هذه الحادثة الشنيعة، أما المتشددون الذين يعشقون منهج الوصاية وسوق الناس بالعصا، فإنهم يرون أن ما حدث تم تضخيمه بسبب مبالغات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي؛ لذلك لن يملوا من البحث عن مبررات لهذه الحادثة حتى ولو تم إلقاء مسؤوليتها على المهندس الذي صمم الجسر في هذا المكان.. هذه ليست مبالغة، فقد يتضح في يوم الأيام أن الحق كان على الجسر!!.

*نقلا عن "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.