بشجاعة لا تنقصنا: «لا» لمجلس الأمن!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

في اللحظة التي يعتقد فيها الآخرون أنه لا خيار لنا سوى أن نقول «نعم»، أو أننا منتظرون لهذه الـ«نعم» منذ أعوام طويلة، نحضر بقوة وكما هي العادة بـ«لا» الصادمة، ونختصر بهذا الحضور جمل الإنشاء والأسطر الطويلة والخطابات المنتهية لذات الطريق والموجزة في هذه الـ«لا».

متصلب مع القاعدة التي تقول إن القوي لا يحترم إلا قوياً مثله، ونحن أقوياء ونجيد التحرك في المساحات الضيقة، وندرك تماماً ألعاب النفاق السياسي، ونعرف كيف نقف بكل حرفية في وجهها، وفي التوقيت الذي لا يعتقد فيه كل المتابعين أنه سيكون بصورة مختلفة ومفاجئة ومخالفة للسائد.

الموقف سيذكره التاريخ بأنه لا سابقة له، و«لا» لمجلس الأمن تخفي خلفها مئات الأسئلة وعلامات الاستغراب والاستفهام العالية، والتي تفسر وتحلل وتدرس وتناقش، ولكنها تنطلق من السؤال الضخم: لماذا؟

ولأن السؤال التلقائي الفائت يعرف إجابته من يعمل على مجلس أمن فعلي شجاع لا شكلي مراوغ، ولنا في القضية الفلسطينية وجرحها الـ«ستيني» الدامي المثال الأول، فيما ظلت أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط كمثال ثان ومحور شغب وجدل وصراع وصراخ، وتمييع لخريطة الأساس الموجبة «لخلوّه منها»، لكن المجلس ظل يستبدل اللاعبين ويناور بينهم، ويصافح هذا على حساب ذاك، ويغضب من تحت الطاولة على ذاك، لأن هذا بات يقف معه على ذات الطاولة!

أما المثال الثالث الحارق فهو بقاء النظام السوري عابثاً بشعبه وقاتلاً له، مستخدماً أسلحته الكيماوية فيما الصمت يسود، بل إن أوراق الملف السوري يتبادلها صناع اللعبة بدم بارد وكأن مجلس الأمن مصاب بمزاجية القرارات وانفصام في استيعاب المعضلات التي تعبر أجواءه.

لماذا رفضت السعودية عضوية مجلس الأمن؟ هذا السؤال لا بد أن يتربع على صدر كل العناوين العابرة للعيون، لأن الإجابة الإنسانية والعقلانية له ستعيد ترتيب رقعة شطرنج العالم السياسي، وتكشف فشل القصص المفبركة والمسكوت عنها طوال المرحلة الماضية، والتي كان يُعْتَقد أن استمراريتها عبر أكثر من مسلسل متوقف على بضع طبخات سياسية سهلة التنفيذ، ولكن السعودية قالت للطبخة الأخيرة «لا»، فهي طبخة تتنافى مع الأخلاقيات وتحاول أن تغطي على سياسة الأمن الدولي الحالية، وهي «الوقوف مع المصالح والإمهال والتمهيد للظالم يوماً بعد يوم».

مجلس الأمن لا يفتح قلبه إلا لمن عرف أسراره، وخطؤه أنه فتح قلبه للسعودية في وقت أن السعودية استوعبت وتأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأسرار لا تريد بنا خيراً، ويقرؤنا صناعها كيفما يلعبون ويريدون، لا كما نأمل ونظن ونريد.

السعودية قدمت التفاؤل والخير في كل مصافحاتها واستيعابها الدائم للجفاف والبرود العالمي مع القضايا العربية والإسلامية، واليوم كانت رسالتها الصريحة والجريئة نحو العضوية الوهمية في الوقت الحالي.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.