دفة «القيادة» تنتظر «الفرج»!

داليا قزاز

نشر في: آخر تحديث:

عند الشروع في الكتابة بعد غياب، لا يمكن تجاهل موضوع الساعة الذي تتداوله جميع وسائل الإعلام. فقضية قيادة المرأة للسيارة، التي عادت بقوة في الأسابيع الأخيرة، في سجال مستمر بين «مع» و «ضد». فتجد آراء تبررها بكل الحجج المنطقية المتاحة، وأخرى تحاول جاهدة دحض هذه الحجج بكل الوسائل وإن وصلت لحد تلفيق الدراسات واختلاق الأفكار الشاذة لنسف الرأي المخالف، فتضيع القضية الرئيسة وهي حق المرأة المشروع في الحركة دون تقييد من خلال استخدام وسيلة المواصلات المتاحة بعيداً عن أي اعتبارات أخرى!

تقرأ في الصحف المحلية عن: تحرك نسائي جديد يطالب بقيادة المرأة السيارة من خلال «مبادرة 26 أكتوبر» التي تحمل شعار (قيادة المرأة اختيار وليس إجباراً)، وأنشئت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي حظيت بآلاف المؤيدين. سيدات يقدن السيارات في أماكن متفرقة في بعض المدن الرئيسة ويوثقن التجربة بتصويرها وعرضها على «يوتيوب». توقيف ثلاث نساء لعدم حملهن رخصة، وفي الشورى توصية نسائية بتمكين المرأة من قيادة السيارة وإن نفى المتحدث الرسمي! سبق ذلك تصريحات متفرقة لمسؤولين تقول إن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن تطارد سيارة تقودها امرأة، أو أنه إذا «ضبطت» المرأة وهي تقود السيارة ستعطى مخالفة، أو أن ليس هناك نص قانوني أو نظامي يمنع، أو أنها قضية اجتماعية.

ماذا يُفهم من هذه الأخبار الصحافية؟ إذا كان القرار شأناً مجتمعياً فلماذا يتم توقيف النساء؟ وكيف تحرر لهن مخالفات، وإدارة المرور لا تمنح رخصاً للنساء؟ ماذا عن من يحملن رخصاً من دول الخليج؟ هل عدد اللواتي حاولن القيادة مؤشر على رغبة النساء؟ وكم امرأة مستعدة للمجازفة؟ وكم امرأة تؤيد ولكنها غير مستعدة للتجربة إلا بوجود قرار واضح أو آلية تحددها الدولة؟ صحيح ليس هناك نص يمنع، ولكن ليس هناك أيضاً ما يسمح أو يحمي. هل يمكن أن تُقرأ هذه العناوين كتمهيد لقرار قادم يحسم الجدل المستمر؟ أم أنها مجرد زوبعة في فنجان؟ فالمطالبات مستمرة، والقصص تتكرر، وما يحدث يعيد إلى الذاكرة فوراً مبادرة 17 حزيران (يونيو) 2011 التي انتهت بتوقيف الناشطة منال الشريف 10أيام. فما الذي تغير في العامين الماضيين؟

عقدان من الزمان والمرأة تطالب بحقها في حرية استخدام وسيلة المواصلات المتاحة. ابتداء من تجربة 47 امرأة قدن السيارة في شوارع الرياض عام 1990 وصولاً إلى مبادرة 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2013. فكتبت المرأة في الصحف، ودشنت مبادرات توعوية بأهمية القضية، وأعدت دراسات للملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتعلقة بالموضوع وقُدمت إلى مجلس الشورى أكثر من مرة. وتقدمت للمرور تطلب استخراج رخصة، واشتكت في المحكمة الإدارية (ديوان المظالم) بعد رفض المرور لطلب الرخصة، وقادت بعضهن السيارات، وحررت لبعضهن مخالفات، وأوقفت أخريات لساعات، ومنهن من حكم عليها بالجلد (وإن لم ينفذ)!

ما الذي تغير؟ ما زالت المرأة تطالب بحقها المشروع في استخدام وسيلة المواصلات المتاحة، ولكنها أيضاً أصبحت أكثر نشاطاً وفعالية في المجتمع. خرجت للعمل بأعداد أكبر، ودخلت إلى مجلس الشورى، وقريباً إلى المجالس البلدية، وتقلدت مناصب عدة في قطاعات الدولة، ومع ذلك لم تتسع خياراتها في الحركة بل زادت تعقيداً وتقييداً. فلم تعد القيادة من الكماليات كما يُزعم، بل حاجة ملحة تتفاقم مع انتهاء المهلة التصحيحية لمخالفي نظام الإقامة والعمل. ولقد سبق وكتبت في 29 آيار (مايو) الماضي مقالاً بعنوان «لا قيادة ولا مواصلات» عن أزمة تقلص خيارات النقل للأسرة والمرأة كنتيجة لتطبيق نظام العمل والإقامة بصرامة مع انعدام المواصلات العامة العصرية. فلن يكون هناك خيار للأسرة إلا توظيف سائق نظامي يكلفها مبالغ طائلة، وفي حال سفره أو غيابه لا يمكن أن تستعين ببديل.

حتماً حسم هذه القضية سيغير من وضع المرأة في المجتمع لأنه بداية لتسلم دفة القيادة لحياتها بنفسها، ومن هنا رمزية هذا الحسم نحو استحقاقها الإنساني كمواطنة كاملة الأهلية، بدءًا بنيلها حريتها في الحركة، ما سينعكس على الكثير من الأنظمة التي تنتقص من أهليتها وتعتبرها تابعة، وهذا ما يجعلها قضية مصيرية تحدد ما سيكون عليه المجتمع مستقبلاً.
نقلاً عن "الحياة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.