شعب شفهي

فهيد العديم

فهيد العديم

نشر في: آخر تحديث:

نحن شعبٌ شفهي بامتياز، لدينا ما يربو على عشرين مليون وكالة أنباء، يتم اختصارها جميعاً بكلمة (يقولون) ولا تقتصر خدماتها على نقل الأحداث (التي لم تحصل عادة) بل تتجاوز ذلك وتُرفق معه الرأي والتحليل وأسباب حدوثه، والرسالة المُرادة منه، والأشياء التي ستحدث بناء عليه في المستقبل، وهل هذه الأشياء التي ستحدث مستقبلاً ستجلب المصلحة أم المفسدة، ثم تشتغل على مستقبِل الخبر (وهذا من ضمن واجباتها ..وليس أهدافها) فتصفق لمن فهم الخبر كما تُريد، لتتفرغ بعد ذلك لقمع (الصيّع) الذين اعتمدوا على عقولهم لفهم الخبر، وكل هذا الجهد بالطبع لخبر لم يحدث، أو لخبر تم نفيه رسمياً!
النفي لدى هذه الوكالات هو أرض خصبة للأخبار، فبمجرد النفي يأتي خبر جديد يحاول أن يجيب على سؤال: لماذا تم نفي الخبر؟ وعندما يجيبك بأنه تم نفيه لأنه لم يحدث، عندها يقترب منك حتى يكاد أن يحتضنك من فرط الشفقة على تفكيرك البريء، ويهمس لك بكل رومانسية الكون: (وأنت من جدك تبيهم يعترفون؟)، ولا يترك لك فرصة لتسأل من هم أولئك الذين لا يعترفون، ولا أن تسأله عن اليقين الذي لا يساوره الشك، فيواصل لك بأسرار سمعها من أناس سمعوها من آخرين سمعوها من (ناس فوق) يقولون أن …وتصيخ السمع ليس لسماع المعلومة المهمة بل لقدرة (القائل) السردية الفاتنة التي لا يعيبها سوى عدم وجود (حُسن التخلّص) والانتقال المفاجئ من موضوع لموضوع بسرعة أرنبِ مذعور، وعند وصول السرد لذروته التي تخللها ومضات فاتنة من الإسقاطات تتيقن أن وكالة يقولون مدعومة من شخصيات نافذة، ليس على مستوى الوطن فحسب، بل حتى على المستوى الدولي، فمثلاً (وكالة يقولون) ينقل لك بالتفصيل قصة التجسس الأمريكي على هاتف ميركل المحمول، ويثبت لك أن هاتف (الحرمة) تم اختراقه بالفعل وإلا لماذا بادر أوباما بالنفي، فالخبر -أي خبر- يكون صحيحاً في حالة عدم نفيه، لذا يحتاج كثيراً من التحليل والتشريح وقراءة ما وراءه ومآربه، وإن تم نفيه فهو أيضاً خبر صحيح، فقط يجب التركيز على السبب في النفي، وفي كثير من الأحيان تكون قيمة نفي الخبر أكثر من الخبر الصحيح،
ولهذا وعلى طريقة قارئ الشرق اللاذع عليان الثقفي لابد أن تبتسم.. بعد أن تصدق الخبر أولاً!

*نقلا عن "الشرق" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.