في تفتيش "التفتيش"!

هاني الظاهري

نشر في: آخر تحديث:

الإشاعات التي راجت أخيراً في السعودية عن اعتزام وزارة العمل على تفتيش منازل المواطنين للبحث عن العمالة المخالفة، لم تكن لتلقى أي اهتمام أو رواج لو أن المواطن يعي حقوقه والأنظمة التي تكفلها له، صحيح أن الوزارة نفت في بيان رسمي كل ما أشيع في هذا الخصوص، لكن السؤال الأهم: كيف صدّق الناس وتداولوا مثل هذه الكلام الفارغ؟

من المعلوم بداهة أن الأنظمة في المملكة تكفل خصوصية المواطن، وتمنع تفتيش منزله وأي شيء يخصه، كهاتفه المحمول مثلاً من دون وجود مسوّغ قانوني أو أمر قضائي، لكن الغريب حقاً أن كثيراً من الناس لا يعرفون حقوقهم، وهذه مشكلة وعي جمعي لا بد من علاجها، فوعي المواطن بحقوقه وواجباته مسألة في غاية الأهمية وليست «ترفاً».

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان كان وما زال لها جهد واضح في التوعية الحقوقية عموماً، لكن إلقاء مهمة بهذا الحجم على عاتقها من دون تعاون من الجهات الأخرى ليس بالأمر المعقول أو المقبول، وأتذكر أنني أشرت في مقالة قديمة إلى ضرورة تخصيص مناهج لحقوق الإنسان في مراحل التعليم كافة في المملكة، وذكرت حينها أنني أحلم باليوم الذي يعود فيه ابني من مدرسته الابتدائية، ليحدثني عن حقوقه الإنسانية التي تعرّف عليها، ولم يعد لديه الاستعداد للتنازل عنها، تلك الحقوق التي يكفلها له وطنه ويدافع عنها، لا أن يعود من المدرسة ليخبرني بأن معلمه اعتدى عليه بالضرب، منتهكاً إنسانيته بسبب نسيانه حل الواجب!

قبل أعوام أقرت وزارة التربية والتعليم منهجاً للتربية الوطنية، وعلى رغم كل الملاحظات عليه، والتي ربما أسهمت في عدم وضوح رسالته في الشكل المطلوب، إلا أن الخطوة في هذا الجانب كانت جيدة نسبياً، الآن بات واجباً على الوزارة ذاتها أن تعلّم الطلاب حقوقهم التي كفلها لهم وطنهم وقبل ذلك دينهم وإنسانيتهم، لصناعة جيل واعٍ بهويته وكينونته ودوره، وتعزيز إيمان الطالب بذاته وشخصيته بدلاً من تخريج أجيال مستلبة الشخصية.

من جهة أخرى، لا بد من التفكير جدياً في تحويل هيئة حقوق الإنسان إلى وزارة ذات مشروع استراتيجي وإمكانات ضخمة لأداء رسالتها في الشكل المطلوب أسوة بكثير من الدول التي سارت في هذا الاتجاه ونجحت في ذلك.

قبل أيام أصدرت رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعميماً لمنسوبيها تحذرهم فيه من تفتيش الهواتف المحمولة للمخالفين الذين يتم استيقافهم في الأماكن العامة، ما لم يكن للهاتف المحمول دور في المخالفة أو بمعنى أدق ما لم يكن الهاتف «أداة للمخالفة نفسها»، والسؤال هنا: هل يُعقل أن منسوبي جهاز بحجم هيئة الأمر بالمعروف لا يعرفون الأنظمة ويمارسون انتهاك خصوصيات الناس في شكل فوضوي، ويحتاجون إلى تعميم ينبههم بأن ذلك مخالف للأنظمة؟ كم شخصاً يا ترى تم استيقافه، لأنه وجد في مكان عام خلال وقت الصلاة أو لأن شعره طويل مثلاً، وانتهكت خصوصيته بسحب هاتفه المحمول وتفتيشه، وربما الزج به في قضية جديدة ليس لشعر رأسه أو وجوده في المكان والزمان الخطأ علاقة بها؟ مثل هذا لو حدث في أي مكان آخر تسقط القضية عن المتهم، لعدم سلامة الإجراءات، لكنها لدينا ربما تتحول إلى خبر صحافي مثير متبوع بعشرات التعليقات التي تردد «السيف الأملح»!

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.