عاجل

البث المباشر

دكتور السفارة !

تصطدم خلال تعاملك اليومي بعدد من الأفراد يسيئون لمناصبهم، ويُكرِهُونَك في كثير من الأوقات على أن تكون موجودا أو تذهب وتعود للمرفق أو الدائرة التي يعملون بها لإنهاء مصالحك، بسبب النفسية التعيسة والأخلاق المتدنية التي يُظهرونها لك، مقابل ارتفاع مفاجئ في أخلاقهم التي تتحسن بتكلف حين يكون المراجع شخصا مهما أو نافذا، وهناك أيضا آخرون قلائل تجد لسانك لا شعوريا يلهج بالدعاء لهم لأنهم لم يستنزفوك نفسيا ولا معنويا ولم يكبدوك مشاوير إضافية لإنهاء معاملة بسيطة، وهؤلاء حقيقة من يشرفون المكان والمنصب برفعة أخلاقهم، ويأخذ هذا الأمر المزعج منحى آخر في بعض الوظائف حين يتقاعس أو يسيء فيها الفرد لمنصبه فلا يؤثر ذلك عليه بشكل فردي أو شخصي بقدر ما يسيء لحكومة دولة، ويظلم بسببه سمعة شعب.
توجهت عدة مواطنات مغتربات في صباح أحد الأيام للمراجعة في فرع سفارة المملكة في لوس أنجلوس ليجدوها مغلقة، تقدمت إحداهن من الحارس الأمريكي المكلف من حكومة بلاده بحراسة السفارة الذي كان يقف أمام المبنى، تسأله عن موعد فتح الأبواب، فضحك بسخرية مستنكراً (سفارة السعودية، ليس لها أوقات محددة، فهم يفتحون أحيانا في التاسعة ومرات في العاشرة وكثيرا في الحادية عشرة أو كما يحلو لهم، ولا أدري كيف وماذا يعمل هؤلاء القوم في ذلك الوقت القصير الذي يفتحون به) شعرت السيدة بالخجل والحنق في آن واحد من رد الحارس الذي أكمل ليسألها: (هل كل الناس في بلادكم هكذا؟ أم هذه عادة الدبلوماسيين ؟؟) لتجيبه على الفور بعصبية، (بالطبع لا، فنحن نحترم مواعيدنا وأعمالنا، وحين يُخفق فرد منا هذا لا يعني الجميع)، ابتعدت عنه وجلست تنتظر أمام باب السفارة مع زميلاتها إلى الساعة الحادية عشرة حتى فُتحت الأبواب، ويبدو فعلا أن المراقب الوحيد الذي يتابع أداء سفاراتنا في الخارج هو المواطن المغترب، عادت إلى سكنها دون أن تصل لنتيجة لقصر ساعات الدوام، فاتصلت بالسفارة بعد عدة أيام لتراجع إجراءات المعاملة، فأجاب المسؤول الكبير على الطرف الآخر، وما أن سألته: (لو سمحت يا أخ …فلان …)، حتى قاطعها بنبرة غاضبة (دكتور لو سمحتِ..) لتعود تشرح مشكلتها من جديد، وفي كل مرة تنسى أن تناديه بـ «دكتور» كان يقاطعها ويوقفها بنبرة مقتضبة ليُذكرها بأن الموضوع الرئيسي في تلك المحادثة (أنه دكتور)…، لا يهم أن يركز في تفاصيل المشكلة، أو يجد حلا لها، بل لا يهم أن تكمل حديثها، ومن حقه ألا يستمع في حالة لم تناده بلقب دكتور، ولا يهم حالة الضيق والقلق الذي كانت تشعر به من تكرار مقاطعة حديثها، على قدر ما كان وما زال مهما أن تتذكر ويتذكر الجميع بأنه دكتور..، وعلى الرغم من أن الدكتور الذي تجاوز العقد الخامس مقيم منذ فترة طويلة في أمريكا، البلد الذي عادة لا يكترث الناس فيها كثيرا بالألقاب، حتى الرئيس الأمريكي نفسه لا يتأثر إذا لم يُناد بالسيد الرئيس، بل كثيرا ما يطلب الفرد هناك حين تتعامل معه أن تناديه باسمه الأول لرفع الكلفة، ولكن (دكتور السفارة) يبدو أنه تكبد جهدا من أجل تلك الشهادة، لدرجة أنسته أنه يمثل هناك حكومة دولة وليس نفسه!
التعالي والتنصل من مسؤولية مطالب رعايا الدولة واستصغار شأنهم من أكثر المشكلات التي يعاني منها المواطن في بلاد الاغتراب، وربما أقرب مثال كان موقف سفارة المملكة في باكستان التي تنصلت في بداية الأمر من مسؤولية إحدى المواطنات (أم أمل) التي كانت ضحية (خدعة ومؤامرة) في طفولتها لتكتشف فيما بعد الخطأ الذي أجبرتها الظروف على القبول به لسنوات بائسة عاشتها هناك، وما إن استنجدت بسفارة بلدها حتى اصطدمت بضعف تفاعلهم، الذي لم يتغير إلا بعد أن نُشرت القضية إعلامياً، ولا أعتقد أن الأمر يرجع فقط لكون المتضررة أنثى، لأن تعليمات الدولة تنص على مدّ يد العون للجميع دون استثناء، ولكن أتمنى حقا أن يتم التدقيق في ملف أداء موظفي السفارات الذي بات ضروريا ومُلحا من أجل تغيير الصورة السلبية التي طبعها أفراد غير مسؤولين، وربما تحتاج الخارجية أو الجهات المسؤولة في الدولة إلى القيام بعمليات تدوير لهم، لربما يصل الدور لدكتور السفارة فيجدد نفسيته من الملل الوظيفي هذه المرة ويجرب العمل في القرن الإفريقي.

*نقلا عن "الشرق" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات