بعد نظام ديوان المظالم نحتاج لهيئة قضايا الدولة

محمد بن سعود الجذلاني

نشر في: آخر تحديث:

ونحن اليوم نستقبل العهد الجديد للقضاء السعودي عموماً، والقضاء الإداري منه على وجه الخصوص، بعد اكتمال عقد أنظمة القضاء والمرافعات، وما اشتملت عليه من أحكام ومبادئ طالما انتظرناها. يمكن لي اليوم طرح مقترح ٍ أعتقد أنه بات مهماً للغاية المسارعة في تنفيذه وإقراره. لأنه يُسهم في حلّ الكثير من الإشكالات، والقضاء على العديد من السلبيات، وفيه من المحاسن والمزايا الشيء الكثير.
هذا المقترح يتعلق بالقضاء الإداري على وجه الخصوص، وهو إنشاء هيئة خاصة بمباشرة القضايا التي تكون الدولة طرفاً فيها، مدعية ً أو مدعى ً عليها. تسمى (هيئة قضايا الدولة) وذلك على غرار هيئة قضايا الدولة في مصر مثلاً.
وبإنشاء هذه الهيئة، تتوحد الجهود، وتجتمع الخبرات، وترتفع كفاءة الأداء، في تمثل كل الجهات الحكومية أمام القضاء الإداري. بدلاً عن تشتتها وتفريقها بين إدارات ٍ قانونية ٍ في كل وزارة أو إدارة أو جهة حكومية.
ولا تنحصر فوائد وإيجابيات إنشاء هذه الهيئة على الجهات الحكومية وإدارات الدولة فقط؛ إنما يشترك في الاستفادة من وجودها كل أطراف العلاقة في الدعاوى الإدارية (الجهة الإدارية – والطرف الذي يخاصمها – والقضاء الإداري) وذلك كما يلي:
أولاً: الإدارات الحكومية تستفيد ما ينعكس على حفظ حقوقها، ورفع كفاءة من يمثلها في الدفاع عن هذه الحقوق، وتجميع الخبرات في جهة واحدة، ليستفيد من هذه الخبرات كل الجهات الحكومية دون استثناء، وذلك لأن القضايا ستكون متشابهة، وتتوافر السوابق القضائية، والاجتهادات الشرعية والنظامية في مكان واحد، بينما يستفيد منها كل الإدارات.
ثانياً: أما الأفراد أو الجهات الخاصة التي تقاضي الإدارات الحكومية، فستكون هذه الهيئة خصماً شريفاً لهم، فلا تدافع عن الجهات الحكومية إلا بالحق، وتتولى تمحيص ما يرد إليها من الإدارات الحكومية من دفاع، أو تبرير، فإن رأت فيه حقاً قدّمته للقضاء، وإن رأته واهياً، واستبان لها الحق مع الطرف الآخر، لم تقحم نفسها في خصومة باطلة. ولا تكون سبباً في تعطيل العدالة أثناء المرافعة بالتخلف عن حضور الجلسات، أو عدم الاستجابة لما يطلبه القضاء من مستندات. وبعد المرافعة وصدور الأحكام تكون أول من يمتثلها ويتولى تنفيذها.
ثالثاً: وفي جانب القضاء الإداري، ستكون هذه الهيئة خير معين له على أداء دوره، كما سبق من الحرص على حضور الجلسات المقررة، وتقديم المستندات، والحرص على عدالة وتمحيص الدعاوى والدفوع القانونية.
لقد سبق لي في عدة مقالات انتقاد أداء الجهات الحكومية وممارساتها الكثير منها في القضاء الإداري، والإشارة إلى إشكالية ضعف كفاءة الإدارات القانونية في الوزارات، وعدم توفير الكوادر البشرية المؤهلة الكافية، التي تساعد على حفظ حقوق الإدارة، والدفاع عنها بحق. واقترحت حينها تمييز المستشارين القانونيين في الوزارات والجهات الحكومية بكوادر خاصة بهم، على غرار الكوادر القضائية، وكوادر أعضاء هيئة التحقيق والإدعاء العام، مما يساعد على استقطاب والمحافظة على المؤهلين من القانونيين، وتشجيعهم على العمل والعطاء المتميز.
وإنشاء هيئة خاصة لقضايا الدولة، سيكون هو التطبيق الأمثل لهذا الاقتراح الذي سبق لي طرحه، وذلك بأن تتكون الهيئة من مجموعة مستشارين لا يقلون خبرة ً وتأهيلاً عن القضاة، ومنحهم المزايا المادية، والصلاحيات، والدعم، الذي يُمكّنهم من القيام بدورهم الرائد في حفظ المال العام، والدفاع عن حقوق الجهات الحكومية.
ويمكن لهذه الهيئة في حال وجودها أن تتولى أيضاً تقديم الفتاوى القانونية للجهات الحكومية المختلفة، وذلك من خلال قسم خاص ٍ بالفتوى القانونية، وهذا أيضاً ما سبق لي مناقشة إشكالية عدم توافره في مقال لي قديم عن (الفتوى القانونية أين نجدها؟).
وستكون هذه الهيئة أيضاً بما يتوافر فيها من خبرات قانونية، وقضائية، وكفاءات، عنصراً داعماً قوياً يساهم بفاعلية في صياغة الأنظمة، وفي تعديلاتها. والمشاركة في اللجان المعنية بالبحث القانوني، وإبداء الرأي النظامي.
ولا يغيب عن الذهن أيضاً: أن وجود هيئة مستقلة لقضايا الدولة، سيسهم في استقلال الإدارات القانونية الحالية، عن تبعية الوزارة والوزير، مما يعطيها الحرية والدافع للالتزام بشكل أكبر بمبادئ العدالة، وعدم التأثر بقرارات ومواقف فردية لمسؤولي الوزارة، الذين قد يتدخلون لتبرير أخطائهم، أو تغطية تجاوزاتهم.
وستحظى هذه الهيئة كذلك، بهيبة ٍ واحترام لدى القضاء، والناس، والوزارات والجهات الحكومية. وستكون مصدراً موثوقاً للكشف عن مكامن الخلل والضعف في الوزارات والإدارات الحكومية، وتقديم تقرير بذلك إلى الملك ورئيس مجلس الوزراء. مما يجعل أي وزارة تحسب لهذه الهيئة حسابها، وتحرص على الدقة والالتزام بالقانون في أعمالها وقراراتها.
وحقيقة ً فإن ميزات وإيجابيات (هيئة قضايا الدولة) أكثر من أن أستوعبها في مقال، إلا أني أتمنى رؤية هذا المقترح حقيقة ً قائمة، لشدة الحاجة إليه. ولأنه سيكون مع النظام القضائي للقضاء الإداري الجديد، عنصرا قوة وعدالة.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش الكريم سبحانه.


*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.