محسودون على جهلنا !

خلف الحربي

نشر في: آخر تحديث:

ماذا أقول؟، أكبر مؤسستين إعلاميتين سعوديتين تروجان للجهل جهارا ونهارا، والمصيبة بالنسبة لي أنني أنتمي لهاتين المؤسستين، ما يعني أن انتقادهما سيكون عملية محرجة نوعا ما، ولكن الإحراج مع الزملاء الأعزاء أهون بالنسبة لي من التعايش مع مبدأ ترويج الجهل بغرض الإثارة، المؤسسة الأولى هي قناة (إم. بي. سي) التي استعرضت عبر حلقتين من برنامج الثامنة ذي الشعبية الواسعة، والذي يقدمه الزميل داود الشريان، حكاية امرأة أصيبت بالعين ومعها ثلاثة من خبراء (مقاومة الحسد) الذين بدأوا فورا بتشخيص حالتها، وهم يحاولون بشتى الطرق منح خرافاتهم بعدا علميا مضحكا، ولعل من شاهد الحلقتين أدرك أن تلك المرأة المسكينة لا تملك ما تحسد عليه سوى قدرتها على تصديق هذه الخزعبلات.

أما المؤسسة الإعلامية الأخرى، فهي عكاظ الحبيبة التي نسأل الله أن يحصنها من شر حاسد إذا حسد، فقد نشرت أمس خبرا طويلا عريضا عن شاب فقد ثروته وخطيبته بسبب إصابته بعين أحد الحاسدين، وحين تعمقت في سطور هذا الخبر العجيب وجدت أن عكاظنا هي التي أصيبت بالعين وليس هذا الشاب، فالخبر ــ باختصار ــ يقول إن هذا الشاب كان يتاجر بالأسهم أو شيء من هذا القبيل بواسطة الإنترنت حتى وصلت (ثروته) إلى ربع مليون ريال، فذهب إلى إحدى الاستراحات وتحدث لأصدقائه عن نشاطه الناجح، فقال أحدهم (أوف.. صار عندك ربع مليون)، وقد شعر الشاب بشيء غريب منذ سماعه كلمة (أوف) من هذا الشاب الحسود، فخسر في البداية مبلغا من المال أثناء تجارته الإنترنتية، فحاول تعويض الخسارة، ولكنه لم يوفق حيث خسر غالبية هذه (الثروة)، ما انعكس على علاقته مع خطيبته التي اختلف معها فانتهى مشروع الزواج!.
وقد لاحظت أن من كتب الخبر ركز على تأثير كلمة (أوف) ووضعها حتى في العنوان، وهو الأمر الذي عزز قناعتي بعدم مصداقية الخبر، فلو كان صديق الشاب قال: (أهب) بدلا من (أوف) لفهمنا كيف خسر صاحبنا ثروته وخطيبته في فترة زمنية قصيرة؛ لأن تأثير كلمة (أهب) سريع جدا، خصوصا إذا جاءت على شكل طلقات متتالية (أهب أهب أهب)، أما كلمة (أوف)، فهي تؤدي بالكاد إلى ضياع الجوال!.
ولعل المشكلة الأكبر أن مثل هذه المواد الإعلامية العجيبة تضع منتقديها في مواجهة مباشرة مع أصحاب المزايدات المجانية حول حقيقة الحسد والعين في حياتنا وما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية حول هذا الموضوع، وبسبب هذه المزايدات يصمت الكثيرون على الكثير من الأكاذيب والخرافات التي يتم إدخالها عنوة في هذا الإطار، ويفقد الكثير من المرضى النفسيين فرصتهم في العلاج، وتزدهر تجارة الكثير من المشعوذين الذين يزعمون أنهم قادرون على التصدي لعين الحسود، ويعلق الناس أسباب فشلهم أو نكساتهم الاجتماعية أو اضطراباتهم النفسية على مشجب وهمي فتزداد حالتهم سوءا.

وحين تتبنى المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل هذه الأطروحات الخرافية وتتعامل معها وكأنها حقائق ملموسة، فإن بسطاء الناس لا يلامون حينها على انغماسهم في الجهل أكثر فأكثر، فهي هنا تنحاز بشكل خاطئ لمبدأ الانتشار على حساب المهنية والموضوعية، أقول قولي هذا وأسأل الله أن يحميكم ــ أعزائي القراء ــ من أعين الحاسدين وكل من يقول (أوف) ولا يذكر الله، كما أسأله تعالى ألا تتسبب هذه المقالة في تسجيلي ببرنامج حافز!.

*نقلا عن صحيفة "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.