«الحسبة».. حروب متتالية تنتهي بهزيمة

خالد الفاضلي

نشر في: آخر تحديث:

المتصفح لتاريخ «الحسبة» سعودياً يجدها تتبنى حروباً متتالية، ثم فجأة تخسر حربها، وتستعين بما حاربته سابقاً لمساندتها في حرب لاحقة، كان من آخرها حربهم ضد جوالات متلبسة بجريمة وجود كاميرات تصوير، حالياً أكثر جوالاتهم ذات كاميرا.

أتى السعودية دهراً عاصف ناتج من ممانعة «الحسبة» وفادة المذياع ثم التلفزيون، بعد أعوام بات المذياع والتلفزيون أداتين مفضلتين وأساسيتين في أحضان أطروحاتهم ورؤاهم، وتصاعد ظهورهم حتى بات أفراد منهم أكثر إطلالة من لاعبي كرة القدم، ثم أسسوا قنوات تلفزيونية. تكرر السيناريو ذاته مع التعليم العام للبنات، كان حرباً ضروساً إلى حين سيطروا على إدارة كيانات تعليم البنات، من بداياتها إلى أن أصبحت وزارة رديفة لوزارة التعليم بمسمى الرئاسة العامة لتعليم البنات، نالوا منافع من تلك الحقبة، «رواتب وعقود تأجير مبانٍ مدرسية ومقاصف وتعهدات وتوريدات وغيرها»، غابت الرئاسة بعد إجبارها على الدخول تحت قبة وزارة التعليم، و«تستمر الحياة». وقفت «الحسبة» على منابر المساجد وفي نحور الناس ضد انطلاق معاهد التمريض وكليات الطب، ثم إذا أصاب داء نساء من بيوتهم، وقفوا بهن على أبواب العيادات الطبية يصرخون، «ما أحد يكشف عليها إلا طبيبة وممرضة»، وانصاعوا لارتفاع سقف الوعي العام، يرسلون بناتهم إلى جامعات ومعاهد تمريض وكليات طب، وكذلك الالتحاق ببرنامج ابتعاث لجامعات في بلدان حاربوا سابقاً فكرة السفر إليها طباً أو سياحة، بحجة أنها «كافرة». كان من أكثر حروبهم ظرافة تشكيل جيش غير نظامي يستخدم بنادق هوائية، «تشتهر سعودياً بمسمى ساكتون»، يطلقون أعيرتها على صحون التقاط قنوات تلفزيونية من أقمار صناعية، وُضعت فوق منازل أقوام يذهبون إلى صلاة الجمعة، ويسمعون الخطيب يقدح في إيمانهم، يهددهم بجهنم، وكأن مفاتيحها معه، كذلك يتهمهم بالدياثة، ثم بات لا يخلو بيت «حسبوي» من ريموت كنترول.

حارب أسود «الحسبة» معارض الكتاب، أخيراً كانوا أكبر الشارين لمحتواياتها، حاربوا المسرح ثم اعتلوه بمسرحيات هزيلة، و«أرقوزات ينططون»، ويحكون عن تجارب مدمن مخدرات أو متهور «تفحيط سيارات»، تاب وأصبح دمه أخف من كل أبطال مسرحية «العيال كبرت»، تتوالى حروب «الحسبة» عاصفة بنا، حربهم الحالية ضد تأنيث بيع التجزئة في أسواق، في الغد القريب سيقومون بتوظيف صبايا في محال تجارية، يملكها بعضهم، فقوة الأوراق النقدية أكبر من أوراق كتب يعتنقونها أو يطبعونها.

يأتي ذلك في سياق محاولة فهم السلوك الحربي للحسبة تجاه ظواهر عصرية تهبط على أرضنا، مع الإشارة إلى «أننا لو عشنا كما أرادوا فلن يجدوا لهم عملاً، فلو تحولنا قاطبة إلى مجتمع حسبة لن يجدوا لهم قيمة إلا من خلال اختلاق دين جديد»، وهي حرب، لأن تقارير عملهم تشمل مفردات من فئة «أثناء مداهمة»، و«تم إلقاء القبض على»، وغيرهما من المصطلحات البوليسية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.