سدوا منابع الجهاد التضليلي

محمد سالم الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

منذ أوائل القرن الخامس عشر الهجري بدا واضحاً انشغال المنابر الدعوية والإعلامية والتربوية والمجالس العامة في العالم الاسلامي بالحديث عن الجهاد ولكن ليس بمفهومه المحدد شرعاً والمعروف بأنه : قتال الكفار ونشر الدين الإسلامي بل بمفهومه الواسع المبتكر(التضليلي) الذي ظهر في تلك الفترة الزمنية تحديداً والذي تم فيه إحداث الكثير من التعديلات على ذلك المفهوم لتتسع دائرته حسب ظروف واتجاهات مدعي الجهاد كأن يتم إضافة القتال في غير ميادين القتال كتفجير المباني والمؤسسات والتجمعات البشرية دون مراعاة لطفل أو كبير في السن او امرأة أو مريض أو مُعاهِد أو حتى مسلم آخر ضمن موطن التفجير، كما تم تعديل ذلك المفهوم ليتضمن أيضا قتل بعض الأفراد المسلمين كالمخالفين في المذهب أو الرأي أو حتى الفكر وقد انتشر هذا الفكر الجهادي التضليلي في عالمنا الاسلامي انطلاقاً من أساليبه المتعددة التي أضيفت اليه.
ثم أضيف مؤخراً لمفهوم الجهاد قتل الأخوة في الدين والوطن بحجة موالاتهم للكفار من خلال التعامل معهم وهكذا تستمر عملية الاتساع ولا نعلم الى ماذا ستنتهي !!
وفي ظل هذا الفكر الجهادي التضليلي تناسى مؤيدوه ومعتنقوه الهدف الحقيقي الذي هو ( نشر الدين الاسلامي ) والذي يمكن تحقيقه بوسائل أخرى أكثر يسراً وسهولة وأكثر تأثيراً وخاصة في ظل مانعيشه من ثورة إعلامية وتقنية يمكن الافادة منها في الجهاد الحقيقي ونشر مبادئ وقيم وتعاليم الدين الاسلامي الحنيف في صورتها الوسطية كما ورد في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) كالتزام بالقدوة الحسنة والمعاملة الفاضلة والسلوك القويم واستثمار ذلك السيل الجارف من الأجهزة الإعلامية في اعلاء كلمة الله ونشر دينه فهي في هذه المرحلة الزمنية تعد الأقوى والأكثر تأثيراً وجدوى وخاصة في ظل تلك الفجوة الكبيرة بين المجتمعات الإسلامية وبين الدول المتقدمة في المجالات الصناعية والتقنية التي تجعلنا في حالة عجز عن تحقيق عملية التوازن في العدة والعتاد .
ثم ان عملية التضليل لم تقتصر على جانب المفهوم فقط بل تجاوز الأمر الى أبعد من ذلك وهو تضليل الهدف الحقيقي الذي هو: إعلاء كلمة الله بتضمينه أهدافاً أخرى مستترة تندرج تحت مظلة الهدف الحقيقي كهدف السيطرة على الحكم على كافة المستويات والسيطرة على الاقتصاد وإقصاء المخالفين في الفكر والمذهب .
ولعل ذلك المخطط التضليلي المستتر لم يأتِ من فراغ ولم يبلغ هذا المبلغ بين يوم وليلة بل ترتب على عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية أفرزته ،وأججته جهات أخرى منها مؤسسات ومنها أفراد من الدعاة والمدعين كما دعمته أيضا جهات أخرى ومن المؤكد ان كل تلك الجهات معروفة ومحددة بدقة لدى الجهات الأمنية والفكرية في الدول الإسلامية مما يستوجب أن تتولى الحكومات والجهات الإسلامية الضامة لتلك الحكومات تحديد السبل الناجعة التي يمكن من خلالها سد تلك المنابع بكل الطرق الممكنة فالأمة الاسلامية أصبحت تعيش حالة من الوهن والعجز والفوضى والتخلف ترتبت على تلك الحالة الجهادية التضليلية كما وأن الدين الإسلامي الحنيف أصبح موطن اتهام وهو أبعد ما يكون عن ذلك ولكن الكثير من المدعين شوهوا تعاليمه وقيمه وأججوا حالة العداء على المسلمين في شتى البقاع وهي أمور بالتأكيد تستوجب تكاتف جهود الدول الاسلامية ووضع السياسات الملائمة لاجتثاث ذلك الاتجاه الفكري المنحرف .. والله من وراء القصد .

نقلاً عن صحيفة "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.