خطيب من القرن العاشر

سامي الماجد

سامي الماجد

نشر في: آخر تحديث:

حين يستنصت الشرع جموع المصلين لخطيب الجمعة، فليس ذلك لخاصة عقله وآرائه واجتهاداته، وقد يُعجِب الخطيب هذا الاستنصات الشرعي حين يرى الجموع مقبلة عليه، فلا رد لسلام، ولا تشميت لعاطس، وحتى تحية المسجد تصلى مخففة، لكنه ربما ينسى مع هذه النشوة قدر المسؤولية التي تحمّلها إزاء ذلك، ولو قدرها حق قدرها لنزهها عن الآراء المرتجلة والاجتهادات الخاصة، أو اتخاذها سبيلاً لعرض من الدنيا زائل، أو الاستعراض بما يظنه إبداعات لفظية خطابية، أسرف فيها حتى بدت أكبر همه، يطوّع لأجلها المعنى، تتذكر وأنت تستمع لخطبته خطباء القرن العاشر، وإيقاعات سجعاتهم البليدة!

أيهـــا الخطيـــب: ليس المنبر محلاً للاستعراضات بوحشي اللغة والحذلقة اللفظية الممجوجة، وما الذي يحوجك - يا بديع زمانك - إلى كدّ أذهان المصلين وإثقالها بمحسناتك البديعية وغريب الألفاظ؟ ما دامت معاني خطبتك بسيطة قريبة المأخذ!

متى ما فُتن الخطيب بهذه المحسنات ضمُرت لديه ملَكَة توليد المعاني، والتأثير على السامع بحسن الموعظة. إن الذي يأخذ بمجامع القلوب في هذا الباب لا يغني فيه ولعٌ بسجع كسجع الكهان، ولا حذلقة بوحشي اللغة، وإنما يغني فيه تجويد المعاني، والإبداع في ترتيب الأفكار، وحسن الربط بينها، بلفظ جزل لا تكلف فيه ولا ركاكة، صحيح أن المعنى الحسن تفسده ركاكة الأسلوب، ولكن المعنى إذا كان هزيلاً ساذجاً فلن ترتقي به حذلقة بمحسنات لفظية، والمولع بها لا بد من أن ينشغل بها عن العناية بالمعنـى.

الخطيب المولع بهذه المحسنات غالباً ما يفضي به هذا الولعُ إلى الانشغال عن مواعظ الكتاب والسنة بالأساليب الإنشائية، حيث الفرصة لاستعراض القدرات اللغوية، وفي ذلك صرف للمنبر عن وظيفته الأم، وزهد في مواعظ الوحيين.

مسؤولية المنـــبر عظيمة، فهل يدرك الخطيب ذلك؟

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.