حفـر الصخـر بالأظافـر

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

أشار الأستاذ سمير عطا الله إلى كتاب المؤرخ البريطاني هملتون والمعنون بـ (قياصرة أمريكا)، وكيف أن الغالبية العظمى من الرؤساء لم ينشؤوا في أسر غنية، وهذا صحيح، فلو أخذنا أعظمهم وهو (لينكلون) فقد بدأ حياته معدما ولم يتعلم إلا في وقت متأخر بسبب الحاجة، و(ترومان) كان ابن راعٍ للأغنام، و(ايزنهاور) كان والده منظفا للقطارات ونشأ في بيت ليس به مرحاض خاص، وأخذ يعمل ٨٦ ساعة في الأسبوع ليجمع رسوم دخوله لكلية (وست بونيت) العسكرية، و(جونسون) ولد في كوخ من غرفتين واشتغل في بداية حياته عامل طرق، و(نكسون) والده كان سمكريا ثم سائق شاحنات على الطرق الطويلة، و(فورد) كان والده دهانا سكيرا، و(كارتر ) ولد في منزل خشبي بناه وحده والده النجار، و(كلنتون) لم يعرف أباه ولكن والدته كانت تبيع الثلج، وهو يعتبر من أفضل رؤساء أمريكا في العصر الحديث لولا سقطته مع المتدربة الحسناء (مونيكا)، ومن الاستثناءات القليلة (كندي) الذي نشأ في أسرة غنية إلى درجة أنه لعب حتى بعقل (مارلين مونرو) وأكل معها الحلاوة، ويا (بخته).
وحيث إننا بصدد التوثيق والدقة، فقد ثبت في إحصاء شمل ٩٠٠ رجل من الذين عملوا من أجل مستقبل أفضل ووصلوا إلى أعلى المراتب، أتضح أن ثلاثمائة منهم بدؤوا حياتهم في الأرض كأبناء مزارعين، ومائتين باعوا الصحف بالطرقات، ومائتين كان أول عهدهم بالعمل مراسلين ومعقبين يحملون الأوراق في المكاتب من مكان إلى آخر، ومائة كانوا عمالا صغارا في المصانع، وخمسين في شتى الطرق والشوارع، وخمسين فقط كانوا من أبناء الأغنياء، ولكنهم أيضا درسوا وسهروا وكافحوا، أما الآخرون من أقرانهم الآخرين الذين آثروا الراحة والنوم والمتعة، فقد ذهبوا وذهبت معهم أموالهم في مزابل الفشل في النهاية.
وهذا هو الزعيم البريطاني (اتلي) الذي أراد والده الغني أن يلحقه بأرقى المدارس، ولكنه تمرد عليه والتحق بإحدى الوظائف الصغيرة، وغضب عليه والده، ولكنه كتب له معتذرا بأنه أراد التعامل مع الناس والنزول معهم في معترك الحياة، فهذا هو الذي يزيد الإنسان فهما أكثر مما هو مدون في الكتب.
وأختمم هذا المقال (المتسكـع) بما يروى عن الكاتب الفرنسي الكبير (بلزاك) الذي عاش حياة التشرد في الشوارع، وقد كتب يوما خطابا لأحد أصدقائه قائلا فيه:
أبشرك لقد تغيرت حياتي منذ اليوم، فمن حسن حظي ومن حسن حظ عمي أنه انتقل قبل أيام إلى رحمة الله، لينعم هناك بالدار الآخرة، وأنعم أنا من التركة التي آلت إلي منه..
ويقال إنه بعد أن نزلت عليه تلك الثروة الفجائية، لم يترك هناك متعة من متع الدنيا إلا وقد اقترفها، وكان يجمع كل ليلة بعض أصحابه المشردين ليساهرهم في أرقى مرابـع الليل، ولا يخرجون منها إلا عند الفجر، وقد ملؤوا الشوارع صخبا وغناء.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.