داء الشخصنة!

سامي الماجد

نشر في: آخر تحديث:

أزماتنا الفكرية والثقافية لا تكاد تنتهي، بل تمتد وتنتشر وتتسع كلما اتسعت قنوات التعبير، شأنها كشأن أزماتنا الأخلاقية والاجتماعية، خذ مثلاً شخصنة الأفكار، إذ قبولها ورفضها متوقفان على شخص قائلها، فتروج الفكرة وتلقى صدى الإعجاب لأن فلاناً - المرضي عنه - قائلها، وتموت الفكرة أو تُثار عليها وتفتعل لها المعركة لأن قائلها - المسخوط عليه - فلان. كثير من المعارك الفكرية والثقافية تصنعها وتذكي نارها شخصنة الأفكار، وصارت الأفكار مطية للنيل من شخصٍ ما وإسقاطه والتأليب عليه، أو ترميزه وحشد الأتباع له. لو حاولنا إعادة إنتاج الأفكار ونشرها من دون نسبتها إلى أحد، كالحسابات السرية في المصارف السويسرية، لهدأت كثير من العواصف والمعارك المصطنعة، وَلَمرّت الأفكار بسلام على بعض المتشنجين من هذا التيار أو ذاك.

مشكلة هذه الشخصنة تفضي بنا إلى مشكلة أخرى لا تقل فداحة وسوءاً، وهي أن كثيرين يعيشون في ظل الأشخاص، لا في ظل الأفكار، يتتبع الشخص ولو ضيَّع في سبيل ذلك الفكرة! يتتبعه حباً أو كرهاً... كلاهما سواء، والمشكلة تظل واحدة، وكما قال مالك بن نبي: «إن الإنسان في أطواره يمر بثلاث مراحل، مرحلة التعلق بالأشياء، ثم التعلق بالأشخاص، ثم التعلق بالأفكار»، لكن من المؤسف أن كثيرين ما زالوا عالقين في المرحلة الثانية، وآخرون تأهلوا للتعلق بالأفكار، ولكن مع حنين وتأرجح بين هذين العالمَين: الأشخاص والأفكار.

هنا لا يجوز الخلط بين هذه المسألة وبين مسألة الإعجاب برمز ما، والإفادة من نتاج فكره، فمسألة الإعجاب والإفادة مما لديه من علم وخبرة ونظر تظل مؤشراً إيجابياً وسلوكاً محموداً ما لم يصل إلى درجة طمس الأفكار الأخرى، والاستعلاء على الأدلة الصحيحة واتباع الحق، فالحق أحقُ أن يُتَّبع.. هنا تضاف مشكلة أخرى، حين يكون الحق ما قاله أستاذه أو شيخه، فهذه صورة من صور الرق والعبودية لم يتحرر منها كثيرون ممن يمقتون أجواء الاستعباد وينشدون الحرية.

وإذا عددنا هذا تخلفاً وأزمة من أزماتنا الثقافية والفكرية، فإن الأفدح من هذا جرماً ذاك الرمز أو الأستاذ الذي يربي أتباعه على الدوران في فلك الأشخاص وليس الأفكار، ويبتغي جماهير مغيبة الوعي، تسير خلفه طواعية العبد مع سيده، إلى معارك لا يدري القاتل في ما قتَل، ولا المقتول في ما قُتل!

المسؤولية على هؤلاء أعظم، والذنب منهم أكبر، وتعجب ممن يحارب نمطاً من الظلام الأخلاقي والفكري بتنميطه المجتمع على ظلمة فكرية من نوع آخر يرتضيها.

ومن هنا لا تعجب أن ترى فجوراً في الخصومة، يصاحبه إرهابٌ فكري من أناس يحتسبون في خصومتهم ويتقربون بها إلى الله زلفى، لأن خصوماتهم يشوبها التعصب وروح الاصطفاف، أما لماذا يشوبها التعصب، فلأنهم تعوّدوا أن يدوروا في فلَك الأشخاص، ومن اعتاد ذلك صعب عليه أن يتحرر منه إلى فَلَك الأفكار، حيث يُعرف الحق بدليله، لا بقائله.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.