عاجل

البث المباشر

ارحمـوا عزيـز قـوم ذَلّ

هناك مثـل ياباني يقول: تشير إلى القمر فيحملق الأحمق إلى إصبعك.
وهذا المثـل ذكرني برجل جزائري كنت جالسا معه في أحد مقاهي باريس، وأخذ يحدثني كيف أنه عائد لتوه من الجزائر ويقول:
قبل أن تصل الباخرة إلى مرسيليا، خرجت أنا وزوجتي مستمتعين بهدوء البحر وسطوع القمر، وحيث إن زوجتي متأثرة جدا بمشاهدة الأفلام المصرية القديمة أشارت للقمر بأصبعها وقالت لي وهي تتغنج: شايف (الأمـر ) يا حبيبي.
سألته: وأنت ماذا رددت عليها؟!.
قال: نهـرتها وأوقفتها عند حدها قائلا لها: علاش أنا أعمى؟!.
قلت له: الحقيقة عداك العيب، فهكذا تكون (الرومانتيكية)، ولكن أشرب فنجانك قبل أن يبرد، فتناول فنجانه قائلا لي: شكرا.
والأكثر واقعية منه هو رجل سعودي، وذلك عندما كنا مجموعة نتداول الأمنيات فيما لو كان في مقدور كل واحد منا أن يتقمص جسد حيوان معين، طبعا تراوحت الأمنيات ما بين الأسد والصقر وما شابههما من الكائنات الفتاكة، (فطيور شلوا) كثيرون.
وعندما وصل الدور إلى ذلك الرجل قال بكل ثقه: إنني أتمنى أن أكون (رخمة)، فضج من في المكان بالضحك والتهـزيء والتريقة.
فـرد عليهم مـبررا اختياره ذاك قائلا: الرخمة لا أحد يكرهها أو يحسدها أو يريدها أو يحتاج إليها، فهي لا تتعرض للمضايقة أو الخطر، وفوق ذلك هي تأكل كل شيء، فهل شاهد أحد منكم يوما رخمة تموت من الجوع؟!.
وبحكم منطقه هذا غير المسبوق عليه، ما كان مني إلا أن أمد يدي إليه قائلا له: مدها، فمد يده لي مصافحا وهو يقول لي مبتسما: شدها.
وما دمنا بصدد الحديث عن الحيوانات، فلم يبعث بصدري الحزن أكثر من منظر شاهدته على (اليوتيوب)، لأسد في حديقة الحيوانات (بكابل) في أفغانستان، حيث تجري منذ سنوات أغبى وأقذر حرب على وجه الأرض، وذلك عندما لم تسلم من تلك الحرب حتى الحيوانات، وفي هجمة (مضرية) من أنصار طالبان قصفوا بمدافعهم تلك الحديقة على أساس أنها تلهي الناس عن ذكر الله.
قتـل من الحيوانات من قتـل، وجـرح من جـرح، وتشـرد من تشـرد، غـير أن ذلك الأسد بقي في مكانه، وشاهدته وهو يتخبـط ويـزأر بصـوت لا يكاد أن يسمـع، فالتفجـيرات حطـمـت أنـيابه وفقأت عينـيه وأصـبح أعـمى، فعـلا: ارحموا عزيـز قوم ذل.
وأحزنني أكـثر من ذلك المنظـر ولا أقول أبكاني، هو منظر بعض الأطفال في صحـارى أفريقيا وبعضهم كانوا يموتون من الجوع وهم في أحضان أمهاتـهم.
إذن (فالرخمة) هي أكـثر حظا من هؤلاء الأطفال التعساء.
فيا للإنسان كم هو جهـول وظلـوم وكفـور كذلك.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات