عاجل

البث المباشر

كيف يعرف الفاسد نفسه ؟!

أكثر شيء يضايقني أن أتلقى في يوم راحتي الأسبوعية دعوة لعزومة، أعرف جيدا بأن أجواءها ستكون رسمية، والأسوأ من ذلك أن تكون هناك مباراة منتظرة ــ ديربي أو كلاسيكو ــ والهلال طرفا فيها، والذي يزيد الطين بلة أن المضيف لا يكتفي بدعوة من نعرفهم، بل تدفعه مزاجيته لخلق تشكيلة غير متجانسة ومتباعدة الخطوط (واضح أن بالي هناك مع المباراة)، فهو إما أن يدعو أقاربه ويأتي ببعض زملائه، أو تكون العزومة في الأساس لزملائه ويصر على إقحام أقربائه، وعذره أنه يريد أن يتجمل (طيب زود الذبائح على الأقل)، والحقيقة أنه أشبه بمن يعقد مؤتمرا يجمع فيه ممثلي السلطة مع أطراف المعارضة، فتنتهي المباحثات دون الخروج بأي توصية!؟
ذات يوم، وجهت لي دعوة من هذا النوع، حضرت وليتني لم أحضر، فقد فوجئت بوجود ذلك الشخص كما تفاجأ هو بوجودي، لكنني لم أكن أعرف بأن وجهه قوي إلى هذه الدرجة، فمع أنه أحيل قبل أكثر من سنتين للتحقيق والمحاكمة لاتهامه في قضية فساد كبيرة، إلا أنني من زود الشموخ والثقة التي كان عليها شعرت بأنه هو نفسه لا يعرف حقيقة ما حدث له، خصوصا أن المطبلين من حوله موصلينه السماء، ولا يتداولون فيما بينهم غير أنه سبق اتهامه في قضية (وهذه ضريبة نجاحه) وأفرج عنه بعد أشهر قليلة؛ لأنه طلع منها بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب (طبعا لا أحد يذكر أنه أطلق بكفالة أو أنه أدين فيما بعد بجريمته)!؟
يقال إن (نزاهة) تعمل مع جهات متعددة على اقتراح النصوص المتعلقة بالتشهير بالفاسدين، ومع أن المشوار لا يزال طويلا، إلا أنني حين سمعت ذلك شعرت بنسمات الارتياح تتسلل إلى أعماق نفسي، ليس كله فضولا ولا تشفيا ولا حتى محاولة تصيد للإساءة لسمعة أحد، وإنما لأنني كغيري دخت لسنين طويلة وراء فك رموز العناوين الضبابية التي لا تخرج عن: إدانة رئيس نادٍ غربي أو كاتب عدل أو أمين سابق!؟ نعم، لقد فرحت من كل قلبي؛ لأن الفاسد بعد التشهير به أمام الملأ سيعرف للوهلة الأولى حقيقة نفسه، وسيقرأ في عيون الناس منطوق الحكم النهائي الذي صدر بحقه، والذي لم يعد قابلا للمكابرة أو لنسج المبررات الواهية حوله!!
مشكلتنا الحقيقية أن الفاسد حتى إن توافرت كل الأدلة ضده، وحتى وإن أدين بالجرم المشهود يظل متمسكا ببراءته ومصدقا نفسه، ويظل الذين من حوله مؤمنين تماما بسلامة موقفه، والكارثة أن سعادة البيك الفاسد يحق له أثناء أو بعد تنفيذ محكوميته أن يتقدم بطلب تعويض ضد أي وسيلة إعلامية تجرأت ونشرت أخبارا تخص قضيته!؟، والمصيبة الكبرى أن الناس لدينا سرعان ما تنسى أن فلانا حامت حوله الشبهات يوما، وما أن تلتقيه حتى تأخذ منه العلم وتسأله وين كان كل هذه المدة، ثم تعزمه على فنجان شاي أو وليمة دسمة!؟ فإذا كان هذا واقعنا، فإن تعاملنا مع الفساد مثل عزيمة صاحبنا الذي يحاول أن يتجمل مع الناس، وإذا كان هذا واقعنا، فبالله عليكم: كيف يعرف الفاسد نفسه؟! حتى نتمكن نحن من معرفته!؟.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات