تجارتنا كانت هكذا

عبد العزيز الذكير

نشر في: آخر تحديث:

أجد أن براعة التجارة والمضاربات شراء المجلوب وبيع المطلوب تكاد – أقول تكاد –توجد في مناطق في بلادنا دون غيرها. ظني هذا مبني على استنتاج وليس دراسة.

فأهلنا في مدينة بريدة بالقصيم فاقوا غيرهم من الجوار بحبهم للمغامرة التجارية. وتشهد رحلات العقيلات بين نجد والشام كيف كان الأهالي المقيمون يساهمون من أهل الرحيل (يبَضّعونهم) ليجلبوا البضاعة من الشام ويتقاسموا الربح، رغم ما كان يكتنف تلك الرحلات في ذهابها وإيابها من مخاطر الطريق والتيه والظمأ.
ويُسمع سكان بريدة يرددون في مجالسهم باللهجة القصيميّة.

"انكسارتي الأولى" أو "عقب انكسارتي الثانية" فقد كان يتكرر فى حديث المجالس وجلسات الدكاكين قبل وقت ليس بالبعيد، في الضحى والمساء. ولا يدل ذلك إلا على صلابتهم وجلدهم في مواجهة ما تأتي به التجارة وأيضا ما تذهب به.

و "الانكسارة" أعتقد أنها تشرح نفسها، وهى الإعسار أو الإفلاس والافتقار التام أو العجز الكامل عن تسديد الدين، نتيجة صفقة أو مغامرة مالية جزافية لم يُكتب لها النجاح.

والعبارة يقولها بعض من تجّار القصيم. ومعنى ذلك أن قائلها "انكسر" أكثر من مرّة. وأرى أن اللغة الإنجليزية الدارجة، أو المحكية أخذت تعبير الانكسارة تلك من اللغة المحكية عندنا. فمفردة (بروك) BROKE هي ماضي BREAK تعنى الإفلاس.

ولابد أن يُستثار عجبنا على نزعة تجار الجزيرة العربية عامة إلى المغامرات المالية غير المحسوبة ومقدرتهم الاستثنائية على تحمّل الخسائر والمفاجآت. وفوق هذا كله يعترفون بها أمام الملأ، وفي السوق غير عابئين بما يقال عنه "السمعة المالية" أو "الصيت العائلي" أو المكانة.

من العبارة التي أشرتُ إليها "انكسارتي الأوّله" نتأكد أن بعض من يتعاطى التجارة فى المنطقة عندهُ "أكثر من انكسارة".

عندي أن صاحبنا "راعي الانكسارة الأوّله" كان لا يأبه بشيء، بدليل انه "يدخل السوق " و"يسولف على راحته".

قال الشاعر أحمد الصافي النجفى:-

سعيتُ زمانا للتجارة والغنى

فضيّعتُ ما قد كان فى اليد من مالِ

وتاجرتُ بالآمال بعد خسارتي

فأفلستُ حتّى من تجارة آمالي


نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.