ليس دائما الإنسان هو الأذكى

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

من قال إن الإنسان دائما هو أذكى من الحيوان؟!
ولكي أفند تلك المقولة، إليكم ثلاثة أمثال، اثنان منها في أمريكا، والثالث في السعودية، الأول يقول: كان أبي قد نال منه الأعياء وأرهقته الحرارة والظمأ، عندما وصل في النهاية إلى بركة ماء في صحراء نيفادا، ولكنها كانت محاطة برمال رطبة غادرة، تجتذب أقدامه عند كل خطوة يخطوها.
وفجأة ظهر جواد من جياد الصحراء البرية على الجانب المقابل لهذه البركة لعله جاء يلتمس جرعة من الماء، وراح أبي يرقبه في عناية ليرى ماذا سيفعل وأخذ الجواد يتقدم ببطء وعناية فوق الرمل الرطيب، حتى بدأت أقدامه تغوص عند كل وطأة، ثم عاد في حذر إلى مكانه الأول وظل واقفا ينتظر.
وبعد قليل راحت المياه تبرز في بطء شديد في كل مكان ترك فيه أثر حوافره العميقة، وعندئذ عاد الجواد إلى هذه الأحواض الصغيرة التي صنعها بحوافره، فارتوى منها، ولا حاجة بي إلى القول حياة أبي قد أنقذت لأنه شربه من نفس الحفر.
والثاني: كنت في صغري أسكن في مزرعة في (اوهايو)، وكنا نستمتع بأخذ كلاب الصيد بعد ظهر كل أحد فنجربها، ولم أنس يوم تبينت فيه الكلاب أثر ثعلب فعدت تطارده.
وكان على مقربة منا جذع شجرة أجوف، فاتجه له الثعلب ودخل في جوفه ثم خرج منه يعدو، والكلاب تطارده، فدار بهم دورة طويلة ثم رجع ودخل في جوف الجذع، ثم انطلق منه مرة أخرى وقد زاد نشاطه وركضه، وكرر ذلك أكثر من ثمانية مرات، فتعجبنا من القدرة الهائلة على نشاط ذلك الثعلب، لأن كلابنا بدا عليها التعب إلى درجة أنها دلدلت ألسنتها واستسلمت وتوقفت عن الركض، فعدونا إلى الجذع وأولجنا فيه عصا طويلة، فتفاجأنا أنهما كانا ثعلبين اتفقا بينهما أن يركض أحدهما ثم يستريح الآخر، وأخذا يتناوبان على ذلك الفعل الخبيث.
أما ما حصل في السعودية، فذلك عندما كنا في إحدى الإستراحات، وأطلق رجل أحمق منا بندقيته وقتل أحد الغربان التي أزعجتنا بكثرة نعيقها.
فترصدت له هو بالذات بقية الغربان، وأصبحت لا تشاهده من بيننا حتى تميزه ثم تنقض عليه لتنقره وتحاول أن تخطف عينيه.
حاول هو عدة مرات أن يتحاشاها بتغيير ملابسه وهيئته دون جدى، إلى درجة أنه لبس يوما ملابس امرأة ومع ذلك اكتشفته وانقضت عليه كالصواريخ الموجهة.
وبعدها أصابه الرعب، وانقطع نهائيا عن الحضور إلى استراحتنا، وارتحنا منه وارتاحت كذلك الغربان، والعجيب أن نعيقها وإزعاجها بعد ذلك قد خف، وأصبحت كأنها حمامات السلام..
وقد صور ووثق أحدنا مشاهد الغربان وهي تنقض في كل مرة على رأس ذلك الرجل القاتل الأحمق.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.