صدق القاضي وأهليته

عيسى الغيث

نشر في: آخر تحديث:

في هذا المقال (السابع) والأخير ضمن سلسلة (أخلاقيات القاضي) المنطلقة من وثيقة مؤتمر رؤساء أجهزة التفتيش القضائي في الدول العربية، سيكون حديثي عن القاعدة السابعة في الصدق والشرف.
والقضاة في كثير من البلاد الأخرى يؤدون القسم قبل مباشرة أعمالهم، إلا أن هذا القسم ليس على سبيل الوجوب الشرعي ولو كان واجبًا قانونيًا، لأن التكليف الشرعي لا يحتاج لقسم من هذا النوع، وإلا لكان للوظائف الأخرى التي لا قسم فيها مبررًا لأعمال محرمة وممنوعة، وعليه فالمسلم لا يحتاج لهذا القسم لأن الأمانة واجبة عليه ومكلف بها سواء أقسم أم لم يقسم، وإنما القسم من باب التأكيد وليس من باب التأسيس للأمانة، ولذا على القاضي الالتزام بمضمون القَسم الذي يحلفه أمثاله لتحقيق مناط الصدق والشرف، ومن مضامينهما المشتركة الكرامة والاستقامة والأمانة والإخلاص والشفافية.
ومن موجبات الصدق تجاه زملائه أن يتمثل ذلك باحترامه للرؤساء القضائيين التسلسليين فضلًا عن أقرانه وعموم من حوله وأطراف النزاع، ومن ذلك الشفافية في بيان أسباب تأخر الفصل في الأحكام، واجتناب التضليل والمغالاة في نشدان الحقيقة، وحينما ندرك بأن القضاء رسالة مقدسة وهو من أشرف المهن، بل إن البعض يعتبره رسالة مجردة لا مهنة فحسب، فيزداد حينئذ شرفًا بهذا التصنيف، وبهذا تزداد مهمة الأخلاقيات القضائية لتعتبر فضيلة الشرف أولى الفضائل التي تدفع إلى احترام القضاء وتحافظ على صورته المشرقة، وتمنع ظهور أي تصرف يسيء إليها، وحينئذ يكون القاضي محل أنظار الناس، والقضاء محط أنظارهم.
والقاعدة الثامنة والأخيرة في الوثيقة هي: الأهلية والنشاط، لأنه لا جدوى للمبادئ السابقة إن لم تقترن بأهلية القاضي وبنشاطه، فالأهلية هي الأداة النظرية اللازمة لإطلاق العمل القضائي إطلاقًا سليمًا، والنشاط هو الأداة العملية اللازمة لإنجازه، فهما شرطان أوليان لازمان لممارسة المهمة القضائية بشكل يتسم بالجدية والفاعلية.
وما من شك أن القاضي هو رجل علم، وعليه أن يكون ذا أهلية لممارسة مهماته، وتفرض عليه امتلاك المعارف الكافية لممارسة عمله على أفضل وجه، ولذا فعليه أن يفيد من كل وسائل التنشئة والتطوير الموضوعة في تصرفه، ومن المستحسن أن يسعى في تنمية معارفه ولا يقف عند حدود الثقافة الفقهية والقانونية، فيعزز معارفه العامة قدر المستطاع، لأنه لا يستطيع فهم معاضل مجتمعه وحل مشاكله إذا كان ضيق الأفق وضعيف الفقه بالواقع، ولذا عليه دوام البحث القانوني والواقعي، وألا يكون بعيدًا عن حياة الناس وظروفهم؛ لأنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا بد للتصور من نزول للميدان ومعاصرة المجتمع.
وعلى القاضي أن يبذل كامل طاقته لإنجاز مهمته على أفضل وجه، وأن يصبر على المشقات الناجمة عن طبيعة عمله وأن يحتسبها قربة إلى الله، ويستعين بالله على ذلك ويسأله التوفيق في كل شؤونه، وعليه أن يتجاوز الكسل والإهمال والغياب المتكرر والتبرم بالعمل والمراجعين، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يكون ضغط العمل مبررًا للتسرع في إصدار الأحكام وفي اتخاذ المواقف، والسرعة محمودة ولكن التسرع مذموم، وعليه الدقة في احترام المواعيد.
ولأجل أن يكون نشيطًا فعليه أن يكون عمله القضائي له الأولوية في اهتماماته، وألا يتمنع أو يستنكف عن إحقاق الحق بتكلف المعاذير، ولذا لا يليق به التبرم من أي قضية تحال إليه، وعليه الاستعانة بالله ومباشرة حلها في أسرع وقت وأدق حكم، فوراء كل قضية إنسان ينتظر الفصل فيها، وقد تكون امرأة مظلومة، أو طفل يتعذب، أو مال تائه لأيتام مساكين، فالتلكؤ لا مكان له في نفوس القضاة المخلصين الذين يرجون الله والدار الآخرة.
وللنشاط أهميته في العمل القضائي، لأن موجب النشاط ليس فضيلة شخصية فحسب، وإنما يُلقى على عاتق القضاء برمته، ويُلزم العدالة بمجموعة أجهزتها، ولا بد من أن توضع في متناول القاضي الوسائل الملائمة التي تمكنه من بلورة نشاطه وتفعيله لتحقيق الهدف من سرعة وجودة الفصل في القضايا، وحينئذ تشيع العدالة وتتحقق الرسالة ويظفر القضاء والقضاة بثقة الناس وحبهم، ولن يتحقق ذلك إلا على يد قضاة نذروا أنفسهم للعلم والعطاء، فكانت لهم الأهلية الكافية للممارسة، وكان لديهم الاندفاع البين للبذل.

نقلاً عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.