حكاية المواطن "بسيط"

محمد الدبيسي

نشر في: آخر تحديث:

وما أكثر ما كُتب حول المواطن البسيط، وما أكثر ما دُبِّج من مقالات، ووُضع من خطط وأُعلن عن أرقام، واُفتتح من مشاريع، وأودع بعهدة المستقبل من أشياء وأشياء كلها لصالح المواطن البسيط.
وما أكثر ما استضيف المواطن البسيط في لقاءات تلفزيونية وإذاعية وصحفية ليُسأل عن متطلباته وتطلعاته، أو ليشكو آلامه، حتى يتنفس هذا البسيط كي لا ينفجر.
وما أكثر ما طالعتنا صور البسيط تشكو مظلمة رئيس بلدية، أو مدير مستشفى، أو مسؤول ضمان اجتماعي، أو مأمور حجز مؤسسة الطيران الوطنية طيبة الذكر. أو (واصل).
لا يدرك المواطن البسيط من كل الأحاديث والأقاويل والقصائد والخطب التي صُدِّرت باسمه أو لجنابه الكريم شيئاً، مع حرصه على تقصي كل شائعة إيجابية، فيمني نفسه ويستشرف مستقبل أولاده، وفؤاده كليم بواقع يبدد كل الأماني. المواطن البسيط، عقد مع البساطة -بمعناها المتداول لا بمعناها المعجمي- عهداً، ألا يبرحها، فلا يتجاوز الضرورة إلى الترف، ولا أفق واجباته إلى فضاء حقوقه، ولا واقعه إلى تطلعاته. مهموم مأزوم بيومه، ينتظر نهايته، بلا معضلة تجمِّد في قلبه الإحساس بالحياة.
والمواطن البسيط قانع بخصوصيته، فلا تتجاوز تصوراته الذهنية مقارنة نفسه بغيره. فخصوصيته تاج على رأسه لا يراه. بينما يراه الآخرون. والمواطن البسيط لا يعرف شيئاً عن مجلس الشورى ومجال اختصاصه ونظامه وأهدافه ولجانه، وإن كان يتابع بعد برامج سباق الخيل على القناة الأولى مداولات المجلس وحوارات أعضائه بمشالحهم المزركشة وأناقتهم المتناهية، يصغي لما سيبشَّر به من خلال المجلس، وأحيانا لا يدرك نظام التصويت الالكتروني، ولكنه يتابع في اليوم التالي في الصحف..كيف كان ذلك العضو ضد توصية كان البسيط يتمنى إقرارها، لأن إدراك المصلحة العلياً وتحقيق توازنات إدارية ما.. ليس بوسع ذهن البسيط.
كما أن البسيط قد بعدت الشُّقة بينه وبين المجلس البلدي، فلم يعد يسمع عنه شيئاً، لأن دوره الرقابي والوطني المجيد، أوسع من أن يعيه عقله البسيط، فالأكاديميون ورجال الأعمال والصفوة المختارة والمنتخبة من أعضائه، هم من يحدد الأولويات التي يجب وينبغي أن تكون، حتى يحيا المواطن البسيط حياة كريمة، ولكنها تتكون في فضاء لا يصله نظر البسيط.
والمواطن البسيط، وبعد صلاة كل جمعة يراجع نفسه، فيما لو أصاب ذنباً مما حذَّر منه الخطيب، أو تباطأ في فعل واجب أكَّد عليه الخطيب، فانصرف إلى بيته يتفقد رعيته وهو يحمل حزمة من الخس، أو طماطم من البسَّاطين حول مسجد الجمعة في الأحياء والمدن غير الراقية، داعياً للخطيب بمزيد من التمكين وممتدحاً فصاحته وبلاغته التي تأخذ الألباب.
ومن نكد الدنيا على المواطن البسيط أنه لا يعي فلسفة مراكز القياس التي تنيخ في قاعاتها أحلام ابنه (ركابها)، حتى يدخل الجامعة، ويزيح عن كاهل والده شيئاً من مكابدات الحياة ومراراتها، وإذا ما أخفق فيها، فهو قاصر عن التحلي بالقناعة بأن ذلك نصيبه من الدنيا. وإذا ما كتب له أن يكون حارس أمن خاص، بألفي أو ثلاثة آلاف ريال، -وليس مهماً واقعية الرقم، أو عدالة الوضع- فهذا هو المقسوم المحسوم. وإذا ما كُتب له دخول الجامعة وتخرج طبيباً أو مهندساً أو مدرساً (أو أي حاجة) فعليه الانتظار حتى تحمل الأيام بشارة الوظائف. وهنا عليه عدم التشكيك في الوسائل العصرية في قبول المتقدمين، فهي من النزاهة والحياد والدقة بحيث تقطع الطريق على خياله البسيط أن وراء الأكمة ما وراءها. والمواطن البسيط لا يعرف الأكمة، بالرغم من أنها قريبة منه وشاء قدره أن تكون مأزقاً بينه وبين أمله بحياة كريمة.
ولكي يظل المواطن بمنأى عن شرك أسئلة ربما تقوده إلى ما لا تحمد عقباه من تساؤلات حرَّى، فليس له أن يشكو إلا إلى الله، خدمة صحية رديئة، أو طوابير طويلة في طوارئ مشفاه العام، أو موعدا بالشهور والسنين في مشفاه العام أو التخصصي. ولا أن يتساءل: لما لا يذكر خطيب الجمعة طرفاً من معاناته تلك، ويحث الخيرين من المسؤولين على إنهائها؟ فالخطيب يترفع عن الحياة، ويرى ما لا يراه النظر القاصر للمواطن البسيط، الذي عليه أن يعد العدة ليوم الرحيل. وساء من حمل وزرا. والبسيط يلوذ بالبارئ عز وجل، أن يلقاه ولا وزر حمله، إلا أوزاراً حُمِّل إياها في حياته، وليرحم الله المواطن البسيط.

نقلا عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.